زكريا القزويني
478
آثار البلاد واخبار العباد
واسط مدينة بين الكوفة والبصرة من الجانب الغربي ، كثيرة الخيرات وافرة الغلّات . تشقّها دجلة . وإنّها في فضاء من الأرض صحيحة الهواء عذبة الماء وكثيرا ما يفسد هواؤها باختلاف هواء البطائح بها فيفسده . وأمّا نفس المدينة فلا يرى أحسن منها صورة ، فإن كلّها قصور وبساتين ومياه ، وعيبها أن حاصلها يحمل إلى غيرها ، فلو كان حاصلها يبقى في يد أهلها لفاقت جميع البلاد . بناها الحجّاج سنة أربع وثمانين ، وفرغ منها سنة ستّ وثمانين ، وسكنها إلى سنة خمس وتسعين وتوفي في هذه السنة . وحكي عن سماك بن حرب انّه قال : استعملني الحجّاج على ناحية نادوربا ، فبينا أنا يوما على شاطىء دجلة إذا أنا برجل على فرس من الجانب الآخر ، فصاح باسمي واسم أبي ، فأجبت فقال : الويل لأهل مدينة تبنى ههنا ! ليقتلن فيها ظلما سبعون ألفا ! كرّر ذلك ثلاث مرّات ثمّ أقحم فرسه في دجلة وغاب في الماء . فلمّا كان العام القابل ساقني القضاء إلى ذلك الموضع ، فإذا أنا برجل صاح بي كما صاح وقال كما قال وزاد : سيقتل ما حولها ما يستقلّ الحصى لعددهم ! ثمّ أقحم فرسه في الماء وغاب . فلمّا بنى الحجّاج واسطا أحصي في حبسه ثلاثة وثلاثون ألف إنسان ، لم يحبسوا في دم ولا دين ولا تبعة ، وأحصي من قتله صبرا فبلغوا مائة وعشرين ألف إنسان ! وحكي انّه كان يقرأ القرآن ، فانتهى إلى قوله تعالى : انّه عمل غير صالح . فاشتبه عليه انّه قرأ اسما أو فعلا ، فبعث إلى بعض المقرئين وأمر بإحضاره ليسأل عنه ، فلمّا حضر المقرئ قام الحجّاج من مجلسه فقال الأعوان : كيف نعمل به وقد طلبه الحجّاج ؟ فأوقفوه حتى يتبيّن أمره ، فبقي في الحبس ستّة أشهر إلى أن فرغ الحجّاج في النظر إلى المحبوسين ، فلمّا انتهى إلى اسمه سأل عن ذنبه