زكريا القزويني

474

آثار البلاد واخبار العباد

وسوّروها حتى بقيت مدينة طيّبة أحسن من المدينة الأولى ، وصارت المدينة الأولى متروكة ، وصارت مجامع أهلها مكان الوحوش ومراتع البهائم ، فسبحان من لا يعتريه الزوال وكلّ ما سواه يتغيّر من حال إلى حال ! ينسب إليها الإمام العلّامة رضى الدين النيسابوري ، قدوة العلماء وأستاذ البشر . كان أصله من نيسابور ومسكنه بخارى ، وكان على مذهب الإمام أبي حنيفة ، وكان في حلقة درسه أربعمائة فقيه فضلاء ، وانّه سلك طريقا لم يسلكه من كان قبله . وكان علم المناظرة قبله غير مضبوط فأحدث له ضبطا وترتيبا ، وبذلك فاقت تلامذته جميع علماء زمانهم . وله على كلّ من يسمّى باسم الفقيه منّة ، لأن الفقهاء بعده على طريقه وترتيبه . وينسب إليها الأستاذ قدوة المشايخ أبو القاسم القشيري صاحب الرسالة القشيرية ، كان وحيد دهره علما وورعا . حكي انّه إذا دخل على نظام الملك الحسن بن عليّ بن إسحاق ، قام من مكانه وقعد بين يديه ، وإذا دخل عليه إمام الحرمين يقوم له ويقعده بجنبه ، فسئل نظام الملك عن ذلك فقال : لأن أبا القاسم القشيري إذا دخل عليّ يذمّني فيما أعمله . وأمّا إمام الحرمين فإنّه يمدحني فيما أعمله . فيا للّه من شيخ إذا دخل على وزير المشرق والمغرب يذمّ أفعاله ولا يبالي بسلطنته ! ويا للّه من وزير من ذمّه في أفعاله أكرم عليه ممّن مدحه ! وحكي أن الملك لمّا صار لطغرلبك السلجوقي واستوزر أبا نصر الكندري ، كان السلطان معتزليّا والوزير شيعيّا ، أمرا بلعن جميع المذاهب يوم الجمعة على رؤوس المنابر . فعند ذلك فارق الأستاذ أبو القاسم مملكة طغرلبك وقال : لا أقيم في أرض يلعن بها المسلمون ! وإمام الحرمين أيضا ذهب إلى أرض الحجاز . وتوفي أبو القاسم سنة خمس وستّين وأربعمائة . ينسب إليها من الحكماء عمر الخيّام . كان حكيما عارفا بجميع أنواع الحكمة سيما نوع الرياضيّات . وكان في عهد السلطان ملكشاه السلجوقي سلّم إليه مالا كثيرا ليشتري به آلات الرصد ويتّخذ رصد الكواكب ، فمات السلطان