زكريا القزويني
472
آثار البلاد واخبار العباد
في أحسن صنعة ؛ قالوا : إنّهما طلسمان لآفات المدينة . ويكثر بنهاوند شجر الخلاف ما في شيء من البلاد بكثرتها ، تتّخذ منها الصوالج وتحمل إلى سائر البلاد . النّهروان كورة واسعة بين بغداد وواسط في شرقي دجلة ، كانت من أجمل نواحي بغداد وأكثرها دخلا ، وأحسنها منظرا وأبهاها فخرا . أصابتها عين الزمان فخربت بسبب الاختلاف بين الملوك السلجوقية وقتال بعضهم بعضا . وكانت ممرّ العساكر فجلا عنها أهلها واستمرّ خرابها ، والآن مدنها وقراها تلال والحيطان قائمة ، ثمّ بعد خرابها من شرع في عمارتها من الملوك مات قبل تمامها ، حتى اشتهر ذلك واستشعر الملوك من تجديد عمارتها وتطيروا بها إلى زمن المقتفي . فأراد بهرور الخادم عمارتها فقالوا له : ما شرع في عمارتها أحد إلّا مات قبل تمام عمارتها ! فشرع في عمارتها غير ملتفت إلى هذا القول ، فمات أيضا قبل تمامها ، فبقيت على حالها إلى زماننا هذا . ينسب إليها القاضي أبو الفرج بن المعافى بن زكرياء النهرواني . كان عالما فاضلا مشهورا وحيد دهره . قال : حججت سنة فإذا أنا بمنى ينادي مناد يقول : يا أبا الفرج ! قلت : يطلب غيري . ثمّ قال : يا أبا الفرج بن المعافى ! قلت : لعلّ شخصا وافق اسمه واسم أبيه اسمي واسم أبي . ثمّ قال : يا أبا الفرج بن المعافى بن زكرياء ! فما أجبت . ثمّ قال : يا أبا الفرج بن المعافى بن زكرياء النهرواني ! فقلت : الآن اتّضح اني أنا المطلوب . فقلت : ها أنا ذا ، ماذا تريد ؟ فقال : لعلّك أنت من نهروان الشرق ! قلت : نعم ! قال : إني أريد من هو من نهروان الغرب .