زكريا القزويني
458
آثار البلاد واخبار العباد
وغبار خيل اللّه لّه في أنف امرئ * ودخان نار جهنّم لا يذهب هذا كتاب اللّه يحكم بيننا * ليس الشّهيد كغيره ، لا تكذبوا حكي عنه قال : خرجت للغزوة ، فلمّا تراءت الفتيان خرج من صفّ الترك فارس يدعو إلى البراز ، فخرجت إليه فإذا قد دخل وقت الصلاة ، قلت له : تنحّ عني حتى أصلّي ثمّ افرغ لك ! فتنحّى فصلّيت ركعتين وذهبت إليه فقال لي : تنحّ عني حتى أصلّي أنا أيضا ! فتنحّيت عنه ، فجعل يصلّي للشمس ، فلمّا خرّ ساجدا هممت أن أغدر به فإذا قائل يقول : أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا . فتركت الغدر . فلمّا فرغ من صلاته قال لي : لم تحرّكت ؟ قلت : أردت أن أغدر بك ! فقال : لم تركته ؟ قلت : لأني أمرت بتركه . قال : الذي أمرك بترك الغدر أمرني بالإيمان . وآمن والتحق بصفّ المسلمين . وحكى الحسن بن الربيع انّه خرج ذات سنة مع جيوش المسلمين إلى الغزوة ، فلمّا تقاتل الصفّان خرج من صفّ الكفّار فارس يطلب القرن ، فذهب إليه فارس من المسلمين ، فما أمهل المسلم حتى قتله ! فخرج إليه آخر فما أمهله حتى قتله ، ثمّ آخر فما أمهله ، فأحجم الناس عن مبادرته ودخل المسلمين منه حزن . فإذا فارس خرج إليه من صفّ المسلمين وجال معه زمانا ثمّ رماه وحز رأسه ، فكبّر المسلمون وفرحوا ولم يكن يعرفه أحد ، فعاد إلى مكانه ودخل في غمار الناس ! قال الحسن : فبذلت جهدي حتى دنوت منه وحلفته أن يرفع لثامه ، فإذا هو عبد اللّه بن المبارك ، فقلت له : يا إمام المسلمين كيف أخفيت نفسك مع هذا الفتح الذي يسر اللّه على يدك ؟ فقال : الذي فعلت له لا يخفى عليه . وحكي أن عبد اللّه بن المبارك عاد من مرو إلى الشام لعلم رآه معه بمرو صاحبه بالشام . ورئي سفيان الثوري في المنام بعد موته فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : رحمني ! فقيل : ما حال عبد اللّه بن المبارك ؟ قال : هو ممّن يدخل على ربّه كلّ يوم مرّتين . ولد سنة مائة وعشرين ، وتوفي سنة مائة وإحدى وثمانين .