زكريا القزويني
453
آثار البلاد واخبار العباد
وأصحاب الأشجار لا يمنعون عنها أحدا ، ويمكثون هناك أيّام المشمش للتفرّج والتنزّه ويأكلون من ثمارها ، ويكسرون من أشجارها ولا يمنعهم مانع ، فإذا انتهت أيّام المشمش رجعوا ؛ وذكر أن صاحب ماوشان منع الناس عنها في بعض السنين ، فلمّا كان من القابل لم تثمر أشجارها شيئا ، فعادوا لإطلاق الناس فيها . المدائن كانت سبع مدن من بناء الأكاسرة على طرف دجلة ، وقيل : إنّها من بناء كسرى الخير أنوشروان . سكنها هو وملوك بني ساسان بعده إلى زمن عمر بن الخطّاب ، رضي اللّه عنه . وإنّما اختار هذا الموضع للطافة هوائه وطيب تربته وعذوبة مائه ؛ قال حمزة : هذا الموضع سمته العرب مدائن لأنّها كانت سبع مدن ، بين كلّ واحدة والأخرى مسافة ، وآثارها إلى الآن باقية وهي : اسفابور ، به اردشير ، هنبو سابور ، دوزبندان ، به از انديو خسرو ، نونياباذ ، كردافاذ . فلمّا ملك العرب ديار الفرس واختطّت الكوفة والبصرة انتقل الناس إليهما ، ثمّ اختطّ الحجّاج واسطا وكانت دار الامارة فانتقل الناس إليها ، فلمّا اختطّ المنصور بغداد انتقل أكثر الناس إليها . فأمّا في وقتنا هذا فالمسمّى بالمدائن بليدة شبيهة بقرية في الجانب الغربي من دجلة . أهلها فلّاحون شيعة إماميّة . ومن عادتهم أن نساءهم لا يخرجن نهارا أصلا . وبها مشهد رفيع البناء لأحد العلويّين ، وفي الجانب الشرقي منها مشهد سلمان الفارسي ، رضي اللّه عنه ، وله موسم في منتصف شعبان ، ومشهد حذيفة ابن اليمان مشير رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم . وكان للأكاسرة هناك قصر اسمه أبيض ، كان باقيا إلى زمن المكتفي في حدود سنة تسعين ومائتين ، فأمر بنقضه وبنائه التاج الذي بدار الخلافة ببغداد ، وتركوا منه الإيوان المعروف بإيوان كسرى . ذكر أنّه من بناء أنوشروان كسرى