زكريا القزويني
448
آثار البلاد واخبار العباد
كنكور بليدة بين همذان وقرميسين في فضاء واسع ، طيّبة الهواء عذبة الماء صحيحة التربة كثيرة الخيرات والثمرات . ولذلك اتّخذها كسرى ابرويز مسكنا ، وأمر أن يبنى له قصر لا يكون لأحد من الملوك مثله . فاتّخذ للقصر أساسا مائة ذراع في مائة ذراع في ارتفاع عشرين ذراعا ، يراه الناظر كأنّه حجر واحد ، لا يظهر فيه أثر الدرز ، وبنى فيه ايوانات وجواسق وخزائن على أسطوانات حجريّة تحيّر الناظر في صنعته وحسن نقوشه . قال صاحب عجائب الأخبار : إذا أردت أن ترى عجبا من العجائب فانظر إلى أسطوانات هذا القصر إلى رؤوسها وأسافلها ، وتعجّب من تسخير الحجر الصلد لهؤلاء الصنّاع . وحكي انّه لمّا حضر عند كسرى فغفور ملك الصين وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وقيصر ملك الروم أحضرهم في هذا القصر ليبصروا عجائبه وقوّة ملك بانيه ، وصنعة صنّاعه وعجزهم عن بناء مثله . وذكر أن المسلمين لمّا وصلوا إليها في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ، سرقت دوابّهم في ذلك المكان فسمّوه قصر اللصوص . وحكي انّه لمّا قتل كسرى ابرويز بقي من هذا القصر بقيّة ؛ قال الحاكي : نظرت إلى بعض أساطينها تحت أكثرها وهندم ، وبقي أقلّها على حاله ، فسألت عنها فذكروا انّه لمّا قتل ابرويز انصرف الصنّاع عنها وتركوها ثمّ طلبوهم لإتمامها ، فما كانت تعمل آلتهم فيها ، ولا اهتدت فكرتهم إليها ، فعلموا أن تيسير ذلك كان بهمّة كسرى ابرويز .