زكريا القزويني
435
آثار البلاد واخبار العباد
قال ابن الفقيه : أوّل من استحدث قزوين شابور ذو الأكتاف ، وبناء شابور في زماننا هذا يسمّى شهرستان . فلمّا اجتاز الرشيد بأرض الجبال قاصدا خراسان اعترضه أهل قزوين ، وأخبروه بمكانهم من أرض الديلم ، فسار إلى قزوين وبنى سور المدينة العظمى وجامعها سنة أربع وخمسين ومائتين . وأوّل من فتحها البراء ابن عازب الأنصاري ، وقد وقع النفير وقت كان الرشيد بها ، فرأى أهلها أغلقوا حوانيتهم وأخذوا أسلحتهم وخرجوا إلى وجه العدوّ مسرعين ، فأشفق عليهم وبنى لهم السور ، وحطّ عنهم خراجهم جاعلا إيّاه عشرة آلاف دينار في كلّ سنة ، وقد ورد في فضائل قزوين أحاديث كثيرة تتضمّن الحثّ على المقام بها لكونها ثغرا . منها ما رواه عليّ بن أبي طالب ، عليه السلام ، عن رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم : عليكم بالإسكندريّة أو بقزوين فإنّهما ستفتحان على يد أمّتي ، وإنّهما بابان من أبواب الجنّة ، من رابط فيهما أو في إحداهما ليلة خرج عن ذنوبه كيوم ولدته أمّه ! وعن سعيد بن المسيّب مرفوعا عن رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم : سادات الشهداء شهداء قزوين ! وأمثال هذه كثيرة . وبين قزوين وبين الديلم جبل كان ملوك الفرس يجعلون عليه رابطة إذا لم يكن بينهم هدنة ، وذلك الجبل هو الحاجز بين القزاونة والإسماعيليّة ، أحد جانبيه لهؤلاء والجانب الآخر لهؤلاء . وبها مواضع يرجى فيها إجابة الدعاء ، منها مسجد شالكان ومسجد شهرستانك ومسجد دهك ومسجد باب المشبّك الملصق بالسور ، فإنّها مواضع يأتيها الابدال . ومن عجائبها مقصورة الجامع التي بناها الأمير الزاهد خمارتاش ، مولى عماد الدولة صاحب قزوين ، فإن قبّتها في غاية الارتفاع على شكل بطيخ ، ليس مثلها في بلاد الإسلام ولا في بلاد الكفر أكبر منها ، ولا أحسن عمارة . وحكي أن الصّنّاع لمّا رفعوا قواعدها وأرادوا انضمام رأسها عجزوا عن ذلك لفرط سعتها وعمقها فلم يكن شيء من الأجذاع والسلاليم يفي بها ، فوقفت العمارة حتى مرّ بها صبيّ وقال : لو ملؤوها تبنا يمكنهم إتمامها ! فتعجّب الصنّاع من حذقه