زكريا القزويني

428

آثار البلاد واخبار العباد

فلمّا كان من القابل قعد المنذر ينتظر حنظلة فأبطأ ، فقدّم شريك ليقتل فلم يشعر إلّا براكب قد طلع ، فإذا هو حنظلة قد تكفّن وتحنّط وجاء بنادبته . فلمّا رآه المنذر عجب من وفائه فقال : ما حملك على قتل نفسك ؟ فقال : إن لي دينا يمنعني من الغدر ! قال له : ما دينك ؟ قال : النصرانيّة ! فاستحسن ذلك منه وأطلقهما معا ، وأطلق تلك السنّة . وكان المنذر بنى الغريين على مثال ما بناهما ملوك مصر ، وقد مرّ ذكرهما في موضعهما . ونظر معن بن زائدة إلى الغريين وقد خرب أحدهما فقال : لو أنّ شيئا مقيما لا يبيد على * طول الزّمان لما باد الغريّان قد خرّب الدّهر بالتّصريف بينهما * فكلّ إلف إلى بين وهجران ! غزنة ولاية واسعة في طرف خراسان بينها وبين بلاد الهند ، مخصوصة بصحة الهواء وعذوبة الماء وجودة التربة ، وهي جبليّة شماليّة بها خيرات واسعة إلّا أن البرد بها شديد جدّا . ومن عجائبها العقبة المشهورة بها ، فإنّها إذا قطعها القاطع وقع في أرض دفئة شديدة الحرّ ، ومن هذا الجانب برد كالزمهرير ، ومن خواصّها أن الأعمار بها طويلة والأمراض قليلة ، وما ظنّك بأرض تنبت الذهب ولا تولد الحيّات والعقارب والحشرات المؤذية ؟ وأكثر أهلها أجلاد وأنجاد . وعجائبها أمر الصفّارين يعقوب وعمرو وظاهر وعليّ . كان يعقوب غلام صفّار وعمرو مكاريا ، صاروا ملوكا عظماء واستولوا على بلاد فارس وكرمان وسجستان وخراسان وبعض العراق ، يقال لهم بنو الليث الصفّار . وبها تفّاح في غاية الحسن يقال له الأميري ، لم يوجد مثله في شيء من البلاد ، قال أبو منصور الثعالبي :