زكريا القزويني

404

آثار البلاد واخبار العباد

واختار أرض طبرستان ، وهي يومئذ جبال وأشجار ، فأرادوا قطع الأشجار فطلبوا فؤوسا والفأس بالعجميّة تبر ، فكثرت بها الفؤوس فقالوا : طبرستان ، وطبر معرب تبر . وقالوا : كانت أيمانهم مغلولة فكانوا يعملون بشمالهم ، فلهذا ترى فيها أكثرهم عسرا . ونفوا الفواجر أيضا إليها فتزوّجوا بهنّ ، فلهذا قلّة الغيرة بينهم . وأكثرهم يتعانون تربية دود القزّ فيرتفع منها الإبريسم الكثير ويحمل إلى سائر البلاد . وبها الخشب الخلنج ، يتّخذ منه الظروف والآلات والأطباق والقصاع ثمّ يحمل إلى الري ، وصناع بلد الري يجعلونه في الخرط مرّة أخرى حتى يبقى لطيفا ويزوّقونه ، ومن الري يحمل إلى سائر البلاد ، ومن هذا الخشب تتّخذ النشاشيب الجيّدة . وبها المآزر والمناديل الرفيعة الطبرية تحمل منها إلى سائر البلاد ، وكذلك الثياب الابريسمية والأكسية والصوف . وبها شجر إذا ألقيت شيئا من خشبها في الماء يموت ما فيه من السمك وتطفو . وبها جبل طارق ؛ قال أبو الريحان الخوارزمي : بطبرستان جبل فيه مغارة فيها دكّة تعرف بدكّان سليمان بن داود ، عليه السلام ، إذا لطخت بشيء من الأقذار انفتحت السماء ومطرت حتى تزيل الأقذار منها ؛ وهذا في الآثار الباقية من تصانيف أبي الريحان الخوارزمي . وقال صاحب تحفة الغرائب : بها حشيش يسمّى جوز ماثل من قطعه ضاحكا وأكله غلب عليه الضحك ، ومن قطعه باكيا وأكله في تلك الحالة يغلب عليه البكاء ، ومن قطعه راقصا وأكله كذلك على كلّ حال قطعه وأكله تعلب عليه تلك الحالة . حكى أبو الريحان الخوارزمي أن أهل طبرستان أجدبوا في أيّام الحسن ابن زيد العلوي ، فخرجوا للاستسقاء فما فرغوا من دعائهم حتى وقع الحريق في أطراف البلد ، وبيوتهم من الخشب اليابس ، فقال أبو عمر في ذلك : خرجوا يسألون صوب غمام * فأجيبوا بصيّب من حريق ! جاءهم ضدّ ما تمنّوه إذ * جاءت قلوب محشوّة بالفسوق !