زكريا القزويني
398
آثار البلاد واخبار العباد
وقصبتها دزدان . وكانت مدينة ذات سور عريض عال حتى تركض الخيل على سورها لسعته ، وكان رئيسها عاصيا على السلاطين ، قال : وكنت أنظر إلى رئيسها وهو جالس على برج مبني على بابها عال ، ينظر إلى عدّة فراسخ وبيده سيف مجرد ، فمتى رأى خيلا من بعض الجهات لمع بسيفه . فانجفلت المواشي والقوافل إلى المدينة وقالوا : انّها مدينة منصورة ممتنعة عمّن يرومها . دعا لها داود وسليمان ، عليهما السلام . ينسب إليها طالوت الذي بعثه اللّه تعالى ملكا إلى بني إسرائيل فقالوا : أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحقّ بالملك منه ؟ والمتغلّبون عليها إلى اليوم يزعمون أنّهم من ولد طالوت . وهي مخصوصة بقلّة رمد العين والجدري ؛ هذا آخر كلام مسعر . وبها جبل ينبت حبّ الزلم الصالح لأدوية الباه ، لم يعرف في مكان غيره . وبها نوع من الكرم يأتي سنة بالعنب وسنة بثمرة شبيهة بالجزر شديدة الحمرة ، أسود الرأس يقولون له الودع . وبها عقارب قتّالة أضرّ من عقارب نصيبين . شهرستان مدينة بخراسان بين نيسابور وخوارزم على طرف بادية الرمل . وبساتينها ومزارعها بعيدة عنها ، والرمال متّصلة بها لا تزال تسفّ . ولها وقف على رجال وثيران ينحّون الرمل عنها أبدا . وربّما يغشاها في يوم واحد أضعاف ما ينحوّن عنها زمانا طويلا ، والناس ينظرون إليه وهو يجري كالماء الجاري . يجلب منها العمائم الرفاع الطوال ولأهلها يد باسطة في صنعتها . وينسب إليها الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل ، وكان رجلا فاضلا متكلّما ، ويزعم أنّه انتهى إلى مقام الحيرة ، وهو القائل : لقد طفت في تلك المعاهد كلّها * وصيّرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلّا واضعا كفّ حائر * على ذقن أو قارعا سنّ نادم !