زكريا القزويني

386

آثار البلاد واخبار العباد

عجيبة ، وكان المعتصم والواثق والمتوكّل بنوا بها قصورا ، والمتوكّل اشتقّ من دجلة قناتين شتويّة وصيفيّة ، وتدخلان الجامع وتتخلّلان شوارع المدينة . وفي جامعها السرداب المعروف الذي تزعم الشيعة ان مهديهم يخرج منه ، لأنّهم زعموا أن محمّد بن الحسن دخل فيه ، وكان على باب هذا السرداب فرس أصفر ، سرجه ولجامه من الذهب إلى زمن السلطان سنجر بن ملكشاه . جاء يوم الجمعة إلى الصلاة فقال : هذا الفرس ههنا لأيّ شيء ؟ فقالوا : ليخرج من هذا الموضع خير الناس يركبه . فقال : ليس يخرج منه خير مني ! وركبه . زعموا أنّه ما كان مباركا لأن الغزّ غلبته وزال ملكه . ولم تزل سامرّا في زيادة عمارة من أيّام المعتصم إلى أيّام المستعين ، فعند ذلك قويت شوكة الأتراك ووقعت المخالفة في الدولة ، فلم تزل في نقص إلى زمان المعتضد باللّه ، فإنّه انتقل إلى بغداد وترك سامّرا بالكلية ، فلم يبق بها إلّا كرخ سامرّا وموضع المشهد والباقي خراب يباب ، يستوحش الناظر إليها بعد ان لم يكن في الأرض أحسن ولا أجمل ولا أوسع ملكا منها . فسبحان من يقلّب الأمور ولا يتغيّر بتغيّر الأزمنة والدهور ! قال ابن المعتزّ : غدت سرّ من را في العفاء فيا لها * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل تفرّق أهلوها ولم يعف رسمها * لما نسجته من جنوب وشمال إذا ما امرؤ منهم شكا سوء حاله * يقولون : لا تهلك أسى وتجمّل ! ساوه مدينة طيّبة كثيرة الخيرات والثمرات والمياه والأشجار ، في وهدة من الأرض . وكانت في قديم الزمان على ساحل بحيرة غاضت عند مولد النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، ورأيت موضع البحيرة زرعوه شعيرا . وحدّثني بعض مشايخها انّه شاهد السفينة تجري فيها . وأهل ساوه مخصوصون بحسن الصورة