زكريا القزويني

353

آثار البلاد واخبار العباد

الذهن . من رآه من العلماء تحيّر فيه ، شاع ذكره في الآفاق ، فلمّا كان زمان أبي نصر الكندري وأمر بلعن المذاهب على رأس المنبر ، فارق الإمام خراسان وذهب إلى الحجاز ودرّس بمكّة . فانقضت تلك المدّة سريعا بموت طغرلبك وقتل الكندري ، فعاد إمام الحرمين إلى خراسان وبنى له نظام الملك مدرسة بنيسابور ، فظهرت تلامذته وانتشرت تصانيفه . وكان في حلقته ثلاثمائة فقيه من الفحول ، بلغوا مبلغ التدريس كأبي حامد الغزّالي ، وصنّف نهاية المطلب عشرين مجلّدا . توفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة . جيلان غيضة بين قزوين وبحر الخزر صعبة المسلك لكثرة ما بها من الجبال والوهاد والأشجار والمياه ، في كلّ بقعة ملك مستقلّ لا يطيع غيره ، والحرب بينهم قائمة ، والمطر كثير جدّا ربّما يستمرّ أربعين يوما لا ينقطع ليلا ولا نهارا ، ويضجر الناس منه . وبيوتهم من الأخشاب والاخصاص وسط الأشجار ، ولا حدّ لكثرة أشجارها الطوال لو كانت بأرض أخرى كان لها قيمة . ونساؤها أحسن النساء صورة لا يستترن عن الرجال يخرجن مكشوفات الوجه والرأس والصدر . وبها من الخيل الهماليج ما لا يوجد في غيرها من البلاد ، ولم ير أحسن منها صورة ومشيا . ومن عجائبها ما سمعت ولا صدقت حتى جرّبت ، وهو ان المطر إذا دام عندهم ضجروا منه ، فإن سمعوا بالليل صوت ابن آوى وعقبه نباح كلب يبشر بعضهم بعضا بصحو الغد ، وعندهم من بنات آوى والكلاب كثير ، وهذا شيء أشهر عندهم وجرّبت مرارا ما أخطأ شيء . مأكولهم الرزّ الجيّد المولاني والسمك ، ويؤدون زكاة الرز ولا يتركونه أصلا . ويقتنون دود الإبريسم ، شغل رجالهم زراعة الرزّ وشغل نسائهم تربية