زكريا القزويني

343

آثار البلاد واخبار العباد

فرهاذ من عند كسرى وشرع في قطع الجبل ، ورسم فيه دربا يتسع لعشرين فارسا عرضا ، وسمكه أعلى من الرايات والأعلام ، فكان يقطع طول نهاره وينقل طول ليله ، ويرصف القطاع الكبار شبه الأعدال في سفح الجبل ترصيفا حسنا يحشو خللها بالنحاتة ، ويسوّيها مع الطريق . وكان ينحت من الجبل شبه منارة عظيمة ثمّ يقطعها قطعا كلّ قطعة كعدل ويرميها ، ولقد رأيت عند اجتيازي به شبه منارة فتح جوانبها وما قطعها بعد ، ورأيت قطعا من الحجر كالأعدال عليها آثار ضرب الفأس ، وفي كلّ قطعة حفرتان في جانبيها ، ليجعل اليد فيها عند رفعها . فذكر يوما عند كسرى شدّة اهتمامه بقطع الجبل ، فقال بعض الحاضرين : رأيته يرمي بكلّ ضربة شبه جبل ، ولو بقي على ما هو عليه لا يبعد أن يفتح الطريق . فانفرق كسرى فقال بعضهم : أنا أكفيك أمره ! فبعث إليه من أخبره بموت شيرين . فلمّا سمع ذلك ضرب فأسه على الحجر وأثبته فيه ، ثمّ جعل يضرب رأسه على الفأس إلى أن مات . ومقدار فتحه من الجبل غلوة سهم ، وتلك الآثار باقية إلى الآن لا ريب فيها . وقال أحمد بن محمّد الهمذاني : في سفح جبل بيستون إيوان منحوت من الحجر ، وفي وسط الإيوان صورة فرس كسرى شبديز وابرويز راكب عليه ، وعلى حيطان الإيوان صورة شيرين ومواليها ؛ قيل : صوّرها فطرس بن سنمّار ، وسنمّار هو الذي بنى الخورنق بظاهر الحيرة ، وسببه أن شبديز كان أذكى الدواب وأعظمها خلقا وأظهرها خلقا ، وأصبرها على طول الركض ، كان لا يبول ولا يروث ما دام عليه سرجه ، ولا يخرّ ولا يزبد ما دام عليه لجامه . كان ملك الهند أهداه إلى ابرويز ، فاتّفق أنّه اشتكى وزاد شكواه فقال كسرى : من أخبرني بموته قتلته ! فلمّا مات خاف صاحب خيله أن يسأل عنه فيجب عليه الخبر بموته ، فجاء إلى البلهبد مغنيه وسأله أن يخبر كسرى ذلك في شيء من الغناء ، وكان البلهبد أحذق الناس بالغناء ففعل ذلك . فلمّا سمع كسرى به فطن بمعناه وقال : ويحك ! مات شبديز ؟ فقال : الملك يقوله ! فقال كسرى : زه ! ما