زكريا القزويني

340

آثار البلاد واخبار العباد

المعاملة عليها اشتروا بها المتاع ، فما فضل أخذوا به قطعة صغيرة . ينسب إليها أبو زكرياء التبريزي . كان أديبا فاضلا كثير التصانيف . فلمّا بنى نظام الملك المدرسة النظاميّة ببغداد ، جعلوا أبا زكرياء خازن خزانة الكتب . فلمّا وصل نظام الملك إلى بغداد دخل المدرسة ليتفرّج عليها ، وفي خدمته أعيان جميع البلاد ووجوهها ، فقعد في المدرسة في محفل عظيم والشعراء يقومون ينشدون مدائحه والدعاة يدعون له . فقام رجل ودعا لنظام الملك وقال : هذا خير عظيم قد تمّ على يدك ! ما سبقك بها أحد ، وكلّ ما فيها حسن إلّا شيئا واحدا ، وهو أن أبا زكرياء التبريزي خازن خزانة الكتب ، وانّه رجل به ابنة يدعو الصبيان إلى نفسه ! فانكسر أبو زكرياء انكسارا شديدا في ذلك المحفل العظيم . فلمّا قام نظام الملك قال لناظر المدرسة : كم معيشة أبي زكرياء ؟ قال : عشرة دنانير ! قال : اجعلها خمسة عشر ان كان كما يقول لا تكفيه عشرة دنانير ! فانكسر أبو زكرياء من فضيحة ذلك المتعدّي وكفاه ذلك كفارة لجميع ذنوبه ، ومن ذلك اليوم ما حضر شيئا من المحافل والمجامع حياء وخجالة . تهران قرية كبيرة من قرى الري كثيرة البساتين كثيرة الأشجار مؤنقة الثمار . ولهم تحت الأرض بيوت كنافقاء اليربوع ، إذا جاءهم قاصد عدوّ اختبأوا فيها ، فالعدو يحاصرهم يوما أو أيّاما ويمشي . فإذا خرجوا من تحت الأرض أكثروا الفساد من القتل والنهب وقطع الطريق . وفي أكثر الأوقات أهلها عصاة على السلاطين ، ولا حيلة إلى ضبطهم إلّا بالمداراة . وفيها اثنتا عشرة محلّة كلّ محلّة تحارب الأخرى ، وإذا دخلوا في طاعة السلطان يجتمع عاملها بمشايخ القرية يطالبهم بالخراج ، وتوافقوا على أداء الخراج المعهود للسلطان . يأتي أحدهم بديك ويقول : هذا بدينار ! والآخر يأتي باجّانة ويقول : هذا بدينار ! ويؤدّون الخراج على هذا الوجه وإلّا فلا فائدة منهم