زكريا القزويني
328
آثار البلاد واخبار العباد
فضحكوا وقالوا : هذا أيضا له وجه للمضاحك ! فلمّا دخلوا على الخصيب وضعوا كرسيّا كلّ واحد من الشعراء يقف عليه ويورد شعره حتى أوردوا جميعهم . بقي أبو نواس فقال بعض الشعراء : ارفعوا الكرسي ، ما بقي أحد ! فقال أبو نواس : اصبروا حتى أورد بيتا واحدا ثمّ بعد ذلك إن أردتم فارفعوا ، فأنشأ يقول : أنت الخصيب وهذه مصر * فتشابها فكلاهما بحر ! فتحيّر الشعراء وأنشد قصيدة خيرا من قصائدهم كلّها . وحكي أن محمّدا الأمين أمر بحبسه وأمر أن لا يترك عنده كاغد ودواة ، فحبس في دار ، فدخل عليه خادم من خدام الخليفة ونام عنده وعليه جبّة سوداء ، فأخذ قطعة جصّ من الحائط وكتب على جبّة الخادم : ما قدر عبدك بي نواس * وهو ليس بذي لباس ولغيره أولى بها * إن كنت تعمل بالقياس ولئن قتلت أبا نواسك * قيل من هو بو نواس ؟ فقرأوا وفرّجوا عنه . وذكر أنّه رئي في المنام بعد موته فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : قد غفر لي بأبيات قلتها وهي تحت وسادتي ؛ فوجدوا تحت وسادته رقعة فيها مكتوب : يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت بأنّ عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلّا المحسن * فمن الذي يرجوه عبد مجرم أدعوك يا ربّي إليك تضرّعا * فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم ما لي إليك وسيلة غير الرّجا * وكريم عفوك ثمّ إني مسلم