زكريا القزويني

325

آثار البلاد واخبار العباد

ويسجد ، فقلت : أبا قاسم ارفق بنفسك . فقال : يا أبا محمّد هو ذا صحيفتي تطوى ، وأنا أحوج ما كنت الساعة ! ولم يزل باكيا وساجدا حتى فارق الدنيا سنة ثمان وستّين ومائتين . وقال جعفر الخلدي : رأيت الجنيد بعد موته في المنام قلت : ما فعل اللّه بك يا أبا قاسم ؟ فقال : طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات ، ونفدت تلك العلوم وامّحت تلك الرسوم ، وما بقينا إلّا على الركيعات التي كنّا نصلّيها في جوف الليل ! وينسب إليها أبو الحسن عليّ بن محمّد المزيّن الصغير . كان من المشايخ الكبار صاحب الحالات والكرامات . حكى أبو عبد اللّه بن خفيف قال : سمعت أبا الحسن بمكّة يقول : كنت في بادية تبوك فقدمت إلى بئر لأستقي منها ، فزلقت رجلي فوقعت في قعر البئر فرأيت في البئر زاوية ، فأصلحت موضعا وجلست عليه لئلا يفسد الماء ما عليّ من اللباس ، وطابت نفسي وسكن قلبي ، فبينما أنا قاعد إذا أنا بشخشخة فتأمّلت فإذا حيّة عظيمة تنزل عليّ ، فراجعت نفسي فإذا نفسي ساكنة ، فنزلت ولفت ذنبها عليّ وأنا هادىء السر لا أضطرب شيئا ، وأخرجتني من البئر وحلّت عني ذنبها ، فلا أدري الأرض ابتلعتها أم السماء رفعتها ؟ فقمت ومشيت إلى حاجتي . وحكى جعفر الخلدي : عزمت على السفر فودّعت أبا الحسن المزيّن وقلت : زوّدني شيئا . فقال : إن ضاع شيء وأردت وجدانه أو أردت أن يجمع اللّه بينك وبين إنسان فقل : يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن اللّه لا يخلف الميعاد . ردّ إليّ ضالّتي أو اجمع بيني وبين فلان . قال : فما دعوت في شيء إلّا استجبت . توفي بمكّة مجاورا سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة . وينسب إليها محمّد بن إسماعيل ، ويعرف بخير النسّاج ، كان من أقران الثوري . عاش مائة وعشرين سنة . كان أسود عزم الحجّ . أخذه رجل على باب الحرم وقال : أنت عبدي واسمك خير ! فمكث على ذلك مدّة يستعمله في