زكريا القزويني

314

آثار البلاد واخبار العباد

أرقّ من كلّ نسيم ! بناها المنصور أبو جعفر عبد اللّه بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس ، ولمّا أراد المنصور بناء مدينة بعث روّادا يرتاد موضعا ، قال له : أرى يا أمير المؤمنين أن تبنى على شاطىء دجلة ، تجلب إليها الميرة والأمتعة من البرّ والبحر ، وتأتيها المادة من دجلة والفرات ، وتحمل إليها ظرائف الهند والصين ، وتأتيها ميرة أرمينية وآذربيجان وديار بكر وربيعة ، لا يحمل الجند الكثير إلّا مثل هذا الموضع . فأعجب المنصور قوله وأمر المنجّمين ، وفيهم نوبخت ، باختيار وقت للبناء فاختاروا طالع القوس الدرجة التي كانت الشمس فيها ، فاتّفقوا على أن هذا الطالع ممّا يدلّ على كثرة العمارة وطول البقاء ، واجتماع الناس فيها وسلامتهم عن الأعداء . فاستحسن المنصور ذلك ثمّ قال نوبخت : وخلّة أخرى يا أمير المؤمنين . قال : وما هي ؟ قال : لا يتّفق بها موت خليفة ! فتبسّم المنصور وقال : الحمد للّه على ذلك . وكان كما قال ، فإن المنصور مات حاجّا ، والمهدي مات بماسبذان ، والهادي بعيساباد ، والرشيد بطوس ، والأمين أخذ في شبارته وقتل بالجانب الشرقي ، والمأمون بطرسوس ، والمعتصم والواثق والمتوكّل والمستنصر بسامرّا . ثمّ انتقل الخلفاء إلى التاج وتعطّلت مدينة المنصور من الخلفاء ؛ قال عمارة بن عقيل : أعاينت في طول من الأرض أو عرض * كبغداد من دار بها مسكن الخفض ؟ صفا العيش في بغداد واخضرّ عوده * وعيش سواها غير خفض ولا غض قضى ربّها أن لا يموت خليفة * بها ، إنّه ما شاء في خلقه يقضي ذكر أبو بكر الخطيب أن المنصور بنى مدينة بالجانب الغربي ، ووضع اللبنة الأولى بيده ، وجعل داره وجامعها في وسطها ، وبنى فيها قبّة فوق إيوان كان علوها ثمانين ذراعا . والقبّة خضراء على رأسها تمثال فارس بيده رمح ، فإذا رأوا ذلك التمثال استقبل بعض الجهات ومدّ رمحه نحوها ، فعلموا أن بعض الخوارج