زكريا القزويني
303
آثار البلاد واخبار العباد
وبها قنطرة من عجائب الدنيا يقال لها قنطرة خره زاد ، وهي أم أردشير الملك ، مبنية على واد يابس لا ماء فيه إلا أوان المدود من الأمطار ، فإنه حينئذ يصير بحرا عجاجا وفسحته على وجه الأرض أكثر من ألف ذراع ، وعمقه مائة وخمسون ذراعا ، وقد ابتدئ بعمل هذه القنطرة من أسفلها إلى أن بلغ بها وجه الأرض بالرصاص والحديد . وكلما علا البناء ضيق ، وجعل بينه وبين جنب الوادي حشو من خبث الحديد ، وصب عليه الرصاص حي صار بينه وبين وجه الأرض نحو من أربعين ذراعا ، فعقدت القنطرة عليه حتى استوى أعلاها على وجه الأرض ، وحشي ما بينها وبين جنبي الوادي بالرصاص المخلوط بنحاتةالنحاس . وهذه القنطرة طاق واحد عجيب الصنعة محكم العمل ، وقد كان المسمعي قد قطعها فمكث دهرا لم يتسع لأحد أن يقوم بإصلاحها ، فأضر ذلك بالسابلة . وقد صار إليها أقوام ممن يقربها واحتالوا في قلع الرصاص من حشوها بالجهد الشديد ، حتى أعادها أبو عبد الله محمد بن أحمد القمي وزير الحسن بن بويه . فإنه جمع الصناع والمهندسين واستفرغ الوسع في أمرها ، فكان الرجال يحطون إليها في الزنابيل بالبكر والحبال ، ولم يمكنهم عقد الطاق إلا بعد سنين ، فإنه أنفق على ذلك سوى أجرة الفعلة ، فإن أكثرهم كانوا من رستاق إيذج وأصفهان مسخرين ، ثلاثمائة ألف وخمسون ألف دينار . والآن في مشاهدتها والنظر إليها عبرة للناظرين . إيراوه قرية على قلة جبل بقرب طبس ، كثيرة المياه والأشجار والبساتين والفواكه . ولها قلعة حصينة ينسب إليها الشيخ أبو نصر الإيراوي ، رحمه الله . كان صاحب كرامات ظاهرة : ذكر أن أهل القربة سألوه أن يستسقي لهم في محل أصابهم ، فسجد لله ودعا ، فنبعت عين من الصخر الصلد وتدفقت بماء صاف عذب ، وفار فورانا شديدا ، فوضع الشيخ يده عليه وقال : اسكن بإذن الله ! فسكن .