زكريا القزويني
295
آثار البلاد واخبار العباد
أسفرايين بلدة بأرض خراسان مشهورة ، أهلها أهل الخير والصلاح . من مفاخرها أبو الفتوح محمّد بن الفضل الأسفراييني . كان إماما فاضلا عالما زاهدا أسرع الناس عند السؤال جوابا ، وأسكتهم عند الايراد خطابا ، مع صحة العقيدة والخصال الحميدة ، وقلّة الالتفات إلى الدنيا وذويها . سكن بغداد مدّة فلمّا اعتزم العود إلى خراسان شكا إليه أصحابه من مفارقته فقال : لعلّ اللّه أراد أن تكون تربتي في جوار رجل صالح ! فلمّا وصل إلى بسطام فارق الدنيا ودفن بجنب الشيخ أبي يزيد البسطامي . وحكى شيخ الصوفيّة ببسطام وهو عيسى بن عيسى قال : رأيت أبا يزيد في النوم يقول : يصل إلينا ضيف فأكرموه ! فوصل في تلك الأيّام الشيخ أبو الفتح وفارق الدنيا . وكنت جعلت لنفسي موضعا عند تربة الشيخ أبي يزيد ، فآثرت الشيخ أبا الفتح به ، ودفنته بجنب أبي يزيد . اشتروين ضيعة كبيرة من ضياع قزوين على مرحلتين منها . وانّها كانت قرية غناء كثيرة الخيرات وافرة الغلّات . نزل بها الشيخ نور الدين محمّد بن خالد الجيلي ، وكان رجلا عظيم الشأن صاحب الآيات والكرامات ، اتّخذها وطنا وتزوّج بها فحلّت بها البركة ، وصارت أعمر ممّا كانت وأوفر ريعا وأكثر أهلا . وكان الشيخ يزرع بها شيئا يسيرا فيحصل منه ريع كثير يفي بنفقته أهله وضيافة زوّاره . وكان الشيخ كثير الزّوّار يقصده الناس من الأطراف . ومن العجب انّه وقع بتلك الأرض في بعض السنين جراد ما ترك رطبها ولا يابسها ، وما تعرّضت لزرع الشيخ بسوء . وكانت تلك القرية محطّ الرحال ومحلّ البركة بوجود هذا الشيخ ، إلى أن جهلت سفهاؤها نعم اللّه تعالى عليهم بجوار هذا الشيخ ،