زكريا القزويني

28

آثار البلاد واخبار العباد

ولئلّا يسدّ بعضنا الهواء عن بعض . فقال ، صلّى اللّه عليه وسلّم : ما لي لا أرى فيكم سلطانا ولا قاضيا ؟ فقالوا : أنصف بعضنا بعضا ، وأعطينا الحقّ من أنفسنا ، فلم نحتج إلى أحد ينصف بيننا ، فقال ، صلّى اللّه عليه وسلّم : ما لأسواقكم خالية ؟ فقالوا : نزرع جميعا ونحصد جميعا ، فيأخذ كلّ رجل منّا ما يكفيه ويدع الباقي لأخيه . فقال ، صلّى اللّه عليه وسلّم : ما لي أرى هؤلاء القوم يضحكون ؟ قالوا : مات لهم ميت ! قال : ولم يضحكون ؟ قالوا : سرورا بأنّه قبض على التوحيد ! قال ، صلّى اللّه عليه وسلّم : وما لهؤلاء يبكون ؟ قالوا : ولد لهم مولود وهم لا يدرون على أيّ دين يقبض . قال ، صلّى اللّه عليه وسلّم : إذا ولد لكم مولود ذكر ماذا تصنعون ؟ قالوا : نصوم للّه شهرا شكرا . قال : وإن ولدت لكم أنثى ؟ قالوا : نصوم للّه شهرين شكرا ، لأنّ موسى ، عليه السلام ، أخبرنا أن الصبر على الأنثى أعظم أجرا من الصبر على الذكر . قال ، صلّى اللّه عليه وسلّم : أفتزنون ؟ قالوا : وهل يفعل ذلك أحد إلّا حصبته السماء من فوقه ، وخسفت به الأرض من تحته ؟ قال : افتربون ؟ قالوا : إنّما يربي من لا يؤمن رزق اللّه ! قال : أفتمرضون ؟ قالوا : لا نذنب ولا نمرض وإنّما تمرض أمّتك ليكون كفّارة لذنوبهم . قال ، صلّى اللّه عليه وسلّم : أفلكم سباع وهوام ؟ قالوا : نعم تمرّ بنا ونمرّ بها فلا تؤذينا . فعرض عليهم النبيّ . صلّى اللّه عليه وسلّم ، شريعته ، فقالوا : كيف لنا بالحجّ وبيننا وبينه مسافة بعيدة ؟ فدعا النبي ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال ابن عبّاس : تطوى لهم الأرض حتى يحجّ من يحجّ منهم مع الناس . قال : فلمّا أصبح النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، أخبر من حضر من قومه ، وكان فيهم أبو بكر ، رضي اللّه عنه ، قال : إن قوم موسى بخير ، فعلم اللّه تعالى ما في قلوبهم فأنزل : وممّن خلقنا أمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون . فصام أبو بكر شهرا واعتق عبدا ، إذ لم يفضل اللّه أمة موسى على أمّة محمّد ، صلّى اللّه عليه وسلّم .