زكريا القزويني

262

آثار البلاد واخبار العباد

فبعثوا المال مع ثلاثمائة رجل لتسلّم الحصن وأخروا الشيخ عندهم . فلمّا وصل المال إلى المسلمين قبضوه وقتلوا بعض الرجال وأسروا آخرين ، وباعوهم بمال آخر وبالشيخ وولديه ، وحصل الحصن والمال للمسلمين وقتل كثير من الروم . مرّيسة قرية بمصر من ناحية الصعيد . تجلب منها الحمر المريسية ، وهي من أجود حمر مصر وأمشاها وأحسنها صورة وأكبرها ، تحمل إلى سائر البلاد للتحف ، ليس في شيء من البلاد مثلها ، والبلاد الباردة لا توافقها فتموت فيها سريعا . وينسب إليها بشر المريسي المعتزلي . كان في زمن المأمون وزعم انّه يبين ان القرآن مخلوق وكلّ من شاء يناظره فيه . وكان دليله أن القرآن لا يخلو امّا أن يكون شيئا أو لم يكن ، لا جائز أن يقال إن القرآن ليس بشيء لأنّه كفر ، فتعيّن أن يكون شيئا ، وقد قال تعالى : اللّه خالق كلّ شيء . فيكون خالقا للقرآن أيضا . وقد غلب الناس بهذا وقبلوا منه وصاروا على هذا ، فاتّصل هذا الخبر إلى مكّة إلى عبد العزيز المكّي ، فقام قاصدا لبغداد لدفع هذه الغمّة ، وسأل المأمون أن يجمع بينه وبين بشر بن غياث ، فجمع بينهما وجرى بينهما مناظرات حاصلها أن عبد العزيز قد حجّه بدليله وقال : الإلهية شيء أوليس بشيء ، لا جائز أن يقال ليس بشيء لأنّه كفر ، فتعيّن أن يكون شيئا ؛ قال اللّه تعالى لبلقيس : وأوتيت من كلّ شيء ، ينبغي أن تؤتى الإلهية فدليلك يدلّ على أن بلقيس إلاهة ، فما ظنّكم بدليل يدلّ على أن المخلوق إله ؟ فقيل لعبد العزيز : هذا نقض حسن ، فما معنى قوله تعالى : اللّه خالق كلّ شيء ؟ قال : معناه اللّه خالق كلّ شيء قابل للخلق والايجاد ، والقديم غير قابل للخلق والايجاد ، وكذلك قوله تعالى : وأوتيت من كلّ شيء ، معناه كلّ شيء يحتاج إليه الملوك . فترى أوتيت الإلهية والنبوة والذكورة كلّها أشياء . فاستحسن المأمون ذلك ورجع القوم عن الاعتقاد الفاسد ، وقام المريسي محجوجا خائبا .