زكريا القزويني
226
آثار البلاد واخبار العباد
الغريّان بناءان كالصومعتين كانا بأرض مصر ، بناهما بعض الفراعنة وأمر كلّ من يمرّ بهما أن يصلّي لهما ، ومن لم يصلّ قتل . إلّا أنّه تقضى له حاجتان إلّا النجاة والملك ، ويعطى ما تمنّى في الحال ثمّ يقتل ! فأتى على ذلك برهة ، فأقبل قصّار من إفريقية معه حمار له وكدين ، فمرّ بهما ولم يصلّ فأخذه الحرس وجرّوه إلى الملك فقال له الملك : ما منعك أن تصلّي ؟ فقال : أيّها الملك اني رجل غريب من إفريقية ، أحببت أن أكون في ظلّك وأصيب في كنفك خيرا ، ولو عرفت لصلّيت لهما ألف ركعة ! فقال له : تمنّ كلّ ما شئت غير النجاة من القتل والملك ! فأقبل القصّار وأدبر وتضرّع وخضع فما أفاده شيئا ، فلمّا أيس من الخلاص قال : أريد عشرة آلاف دينار وبريدا أمينا ! فأحضر ، فقال للبريد : أريد أن تحمل هذا إلى إفريقية وتسأل عن بيت فلان القصّار وتسلّمه إلى أهله ! قال له : تمنّ الثانية ! قال : اضرب كلّ واحد منكم بهذا الكدين ثلاث ضربات ، إحداها شديدة والثانية وسطا والثالثة دون ذلك ! فمكث الملك طويلا ثمّ قال لجلسائه : ما ترون ؟ قالوا : نرى أن لا تقطع سنّة آبائك ! قالوا : بمن تبدأ ؟ قال : بالملك ! فنزل الملك عن السرير ورفع القصّار الكدين وضرب به قفاه ، فأكبّه على وجهه وغشي على الملك ثمّ رجع نفسه إليه وقال : ليت شعري أي الضربات هذه ؟ واللّه إن كانت هيّنة وجاءت الوسطى لأموتنّ دون الشديدة ! ثمّ نظر إلى الحرس وقال : يا أولاد الزنا كيف تزعمون انّه لم يصلّ واني رأيته صلّى ؟ خلّوا سبيله واهدموا الغريّين . وبنى مثلهما المنذر بن امرئ القيس بن ماء السماء بالكوفة ، وسيأتي ذكره في موضعه إن شاء اللّه تعالى .