زكريا القزويني

216

آثار البلاد واخبار العباد

وهي مملوءة من الخيرات والمياه والأشجار والمزارع والفواكه . بها جبل يقال له قصر يانه وهو من عجائب الدنيا . على هذا الجبل مدينة عظيمة شامخة ، وحولها مزارع وبساتين كثيرة ، وهي شاهقة في الهواء ، وكلّ ذلك يحويه باب المدينة . لا طريق إليها إلّا بذلك الباب ، والأنهار تنفجر من أعلاها . وبها جبل النار ، ذكر أبو عليّ الحسن بن يحيى أنّه جبل مطلّ على البحر ، دورته ثلاثة أيّام بقرب طبرمين ، فيه أشجار كثيرة وأكثرها البندق والصنوبر والارزن ، وفيه أصناف الثمار ، وفي أعلاه منافس النار يخرج منه النار والدخان ، وربّما سالت النار منه إلى جهة تحرق كلّ ما مرّت به ، وتجعل الأرض مثل خبث الحديد لا تنبت شيئا ولا تمرّ الدابّة بها ، ويسميّه الناس الأخباث . وفي أعلى هذا الجبل السحاب والثلوج والأمطار دائمة ، لا تكاد تقلع عنه في صيف ولا شتاء ، والثلج لا يفارق أعلاه في الصيف . وأمّا في الشتاء فيعمّ الثلج أوّله وآخره . وزعمت الروم أن كثيرا من الحكماء يرحلون إلى جزيرة صقلية للنظر إلى عجائب هذا الجبل واجتماع النار والثلج فيه ، فترى بالليل نار عظيمة تشعل على قلّته ، وبالنهار دخان عظيم لا يستطيع أحد الدنو إليها ، فإن اقتبس منها طفئت إذا فارقت موضعها . وبها البركان العظيم ؛ قال أحمد بن عمر العذري : ليس في الدنيا بركان أشنع منه منظرا ولا أعجب مخبرا ! فإذا هبّت الريح سمع له دويّ عظيم كالرعد القاصف ، ويقطع من هذا البركان الكبريت الذي لا يوجد مثله . وقال أيضا : بها آبار ثلاث يخرج منها من أوّل الربيع إلى آخره زيت النفط ، فينزل في هذه الآبار على درج ويتقنّع النازل ويسدّ منخره ، فإن تنفّس في أسفلها هلك من ساعته ، يغترف ماءها ويجعله في اجّانات ، فما كان نفطا علا فيجمع ويجعل في القوارير .