زكريا القزويني
212
آثار البلاد واخبار العباد
أراد جوابا آخر فقلت : يا ربّ أمّا أنا فليس صحيفتي الشرك ، وقد وعدت أن تغفر ما دونها ! فقال : اذهبوا فقد غفرت لكم ! وفارق الدنيا بعد ذلك بثلاثة أيّام . وينسب إليها أبو نصر بن أبي عبد اللّه الخيّاط ، كان فقيها أصوليّا أديبا مناظرا ، أخذ العلم من أبيه وله مصنّفات كثيرة ، وأخذ الفقه منه أهل شيراز ، وهو الذي يقول في كتاب المزني : هذا الذي كنت أطويه وأنشره * حتى بلغت به ما كنت آمله فدم عليه وجانب من يجانبه * فالعلم أنفس شيء أنت حامله وحكي أنّه أو أباه استدلّ يوما في مسألة ، فأعجب الحاضرين كلامه فقالوا للقاضي أبي سعيد بشر بن الحسين الداودي قاضي القضاة بفارس والعراق وجميع أعمال عضد الدولة : هذا الكلام لا يجاب عنه حتى يلج الجمل في سمّ الخياط ، فقال القاضي : وحتّى يؤوب القارظان كلاهما * وينشر في القتلى كليب لوائل وينسب إليها أبو عبد اللّه محمّد بن خفيف ، شيخ وقته وأوحد زمانه ، قال : دخلت بغداد وفي رأسي نخوة الصوفية ، ما أكلت أربعين يوما ولا دخلت على الجنيد ! وكنت على عزم الحجّ ، فلمّا وصلت إلى زبالة رأيت ظبية تشرب من بئر ، وكنت عطشان ، فمشيت إليها فولّت الظبية ورأيت الماء في أسفل البئر فقلت : يا ربّ ما لي محلّ هذه الظبية ؟ فنوديت من خلفي : جرّبناك ما تصبر ، ارجع خذ الماء ! فلمّا رجعت رأيت البئر ملآنة ، فأخذت منه وشربت وتوضّأت فسمعت هاتفا يقول : إن الظبية جاءت بلا دلو ولا حبل وأنت جئت بالدّلو والحبل ! فلمّا رجعت إلى بغداد قال لي الجنيد : لو صبرت لنبع الماء من تحت رجليك .