زكريا القزويني

197

آثار البلاد واخبار العباد

الحمصات ؟ بعها منّا ! فما زالوا يزيدون في ثمنها حتى بلغ سبعمائة دينار ، فبعتها ثمّ انصرفت وعبوري على دير سمعان ، فأخرج الحبيس رأسه وقال : أيّها الحنيفي قد بعت الحمصات بسبعمائة دينار ، ولو طلبت سبعة آلاف لأعطوك ، وكلّ حمصة لي قوت يوم ، فانظر من يكون قيمة قوته كلّ يوم ألف دينار كم تكون قيمته ؟ ثمّ أدخل رأسه . دير طور سينا على قلّة طور سينا ، وهو الجبل الذي تجلّى فيه النور لموسى ، عليه السلام ، وخرّ موسى صعقا هناك . والدير مبنيّ بالحجر الأسود ، وفي غربيّه باب لطيف قدّامه حجر ، إذا أرادوا رفعه رفعوه وإذا قصدهم قاصد أرسلوه فانطبق على الموضع ، ولم يعرف مكان الباب ، وفي داخلها عين ماء . وزعم النصارى أن بها نارا من النار التي كانت ببيت المقدس ، وهي نار بيضاء ضعيفة الحرّ لا تحرق ، وتقوى إذا أوقد منها السرج ، وهو عامر بالرهبان والناس يقصدونه ؛ قال فيه ابن عاصم : يا راهب الدّير ماذا الضّوء والنّور * وقد أضاء بما في ديرك الطّور ؟ هل حلّت الشّمس فيه دون أبرجها * أم غيّب البدر عنه فهو مستور ؟ دير الطّير بأرض مصر على شاطىء النيل ، بقرب الجبل المعروف بجبل الكهف . وفي هذا الجبل شقّ ، فإذا كان يوم عيد هذا الدير يأتي صنف من الطير يقال له بوقير ، لم يبق منها واحد إلّا جاء ذلك الشقّ ، ويشتدّ عنده صياحها . ولا يزال الواحد بعد الواحد يجعل رأسه في ذلك الشقّ ويصيح إلى أن يتشبّث رأس أحدها بالشقّ فيضطرب حتى يموت ، وعند ذلك تنصرف البقيّة إلى السنة القابلة ، ولا يبقى هناك منها طائر ؛ هكذا ذكر الشابشتي ، وهذا دليل الخصب في تلك السنة ، وربّما تشبّث على طيرين فيكون الخصب بالغا جدّا .