زكريا القزويني

179

آثار البلاد واخبار العباد

إني لا أجمعكم لرغبة ولا لرهبة ، ولكن بحديث حدّثنيه تميم الداري ، فمنعني سروره القائلة . حدّثني أن نفرا من قومه أقبلوا في البحر فأصابتهم ريح عاصف ألجأتهم إلى جزيرة ، فإذا هم بدابّة قالوا لها : ما أنت ؟ قالت : أنا الجسّاسة ! قالوا : أخبرينا الخبر . قالت : إن أردتم الخبر فعليكم بهذا الدير ، فإن فيه رجلا بالأسواق إليكم . قال : أتيناه فقال : أنّى تبعتم ؟ فأخبرناه فقال : ما فعلت بحيرة طبرية ؟ قلنا : تدفق بين أجوافها . قال : ما فعلت نخل عمان ؟ قلنا : يجتنيها أهلها ! قال : ما فعلت عين زغر ؟ قلنا : يشرب منها أهلها . فقال : لو يبست أنفذت من وثاقي فوطئت بقدمي كلّ منهل إلّا مكّة والمدينة . جزيرة الكنيسة في بحر المغرب ؛ قال أبو حامد الأندلسي : على البحر الأسود من ناحية أندلس جبل عليه كنيسة منقورة من الصخر في الجبل ، وعليها قبّة كبيرة ، وعلى القبّة غراب مفرد لا يبرح من أعلى القبّة . وفي مقابلة الكنيسة مسجد يزوره الناس ويقولون : إن الدعاء فيه مستجاب . وقد شرط على القسيسين الذين يسكنون تلك الكنيسة ضيافة كلّ مسلم يقصد ذلك المسجد . فكلّما وصل أحد إلى ذلك المسجد أدخل الغراب رأسه في روزنة على تلك القبّة ، ويصيح بعدد كلّ رجل صيحة ، فيخرج الرهبان بالطعام إلى أهل المسجد ما يكفيهم . وتعرف تلك الكنيسة بكنيسة الغراب ، وزعم القسيسون أنّهم ما زالوا يرون غرابا على تلك الكنيسة ولا يدرون من أين مأكله ! جفار أرض بين فلسطين ومصر مسير سبعة أيّام ، كلّها رمال سائلة نبض فيها قرى ومزارع ونخل كثير . وأهلها يعرفون آثار الأقدام في الرمل حتى يعرفون وطء الشباب من الشيخ ، والرجل من المرأة ، والبكر من الثيب ، ومع كثرة