زكريا القزويني

167

آثار البلاد واخبار العباد

وهو في الحبس مقيّدا . فلمّا حضر وقت الصلاة رأيته نهض ، فتطايرت منه القيود وتوضّأ وهو على طرف المحبس ، وفي صدر ذلك المحبس منديل . وكان بينه وبين المنديل مسافة ، فواللّه ما أدري أن المنديل قدم إليه أو هو إلى المنديل ! فتعجّبت من ذلك وهو يبكي بكاء فقلت له : لم لا تخلّص نفسك ؟ فقال : ما أنا محبوس ! أين تريد يا ابن خفيف ؟ قلت : نيسابور ! فقال : غمّض عينيك ! فغمّضتهما . ثمّ قال : افتحهما . ففتحت فإذا أنا بنيسابور في محلّة أردتها . فقلت : ردّني . فردّني وقال : واللّه لو حلف العشّاق أنّهم * موتى من الحبّ أو قتلى لما حنثوا قوم إذا هجروا من بعد ما وصلوا * ماتوا وإن عاد وصل بعده بعثوا ترى المحبّين صرعى في ديارهم * كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا ثمّ قال : يا ابن خفيف ، لا يكون الحزن إلّا لفقد محبوب أو فوت مطلوب ! والحقّ واضح والهوى فاضح . والخلق كلّهم طلّاب وطلبهم على قدر هممهم ، وهممهم على قدر أحوالهم ، وأحوالهم مطبوعة على علم الغيب ، وعلم الغيب غائب عنهم ، والخلق كلّهم حيارى . وأنشأ يقول : أنين المريد لشوق يزيد * أنين المريض لفقد الطّبيب قد اشتدّ حال المريدين فيه * لفقد الوصال وبعد الحبيب ثمّ قال : يا ابن خفيف ، حججت إلى زيارة القديم فلم أجد لقوم موضعا من كثرة الزائرين ، فوقفت وقوف البهيت ، فنظر إليّ نظرة فإذا أنا متّصل به ، ثمّ قال : من عرفني ثمّ أعرض عني فإني أعذّبه عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين . وجعل يقول : عذابه فيك عذب * وبعده منك قرب