زكريا القزويني
157
آثار البلاد واخبار العباد
وسدّت عليهم الغار ، فقالوا : لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا اللّه تعالى بصالح أعمالكم ! قال رجل منهم : اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا ولدا ، فباتا في ظلّ شجر يوما فلم أبرح عليهما حتى ناما ، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين ، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا ولا ولدا ، فلبثت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى طلع الفجر ، والصبية يتضاغون ، فاستيقظا وشربا غبوقهما ! اللهمّ إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه من هذه الصخرة ! فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه . وقال الآخر : اللهمّ إنه كانت لي ابنة عمّ كانت من أحبّ الناس إليّ ، فراودتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمّت بنا سنة من السنين ، فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين دينارا على أن تخلي بيني وبين نفسها ، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت : لا يحلّ لك أن تفضّ الخاتم إلّا بحقّه ! فتخرّجت من الوقوع عليها وانصرفت عنها ، وهي أحبّ الناس إليّ ، وتركت الذهب الذي أعطيتها . اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه ! فانفرجت الصخرة غير أنّهم لا يستطيعون الخروج منها . وقال الثالث : اللهمّ إنّك تعلم أني استأجرت أجرا فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب ، فنمت أجرته حتى كثرت منه الأموال . فجاءني بعد حين وقال : يا عبد اللّه هات أجرتي ! فقلت له : كلّ ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرتك ! فقال : يا عبد اللّه لا تستهزىء بي ! فقلت : لا أستهزىء ! فاستاق كلّه ولم يترك منه شيئا . اللهمّ إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه ! فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون .