زكريا القزويني
150
آثار البلاد واخبار العباد
أنطاكية مدينة عظيمة من أعيان المدن على طرف بحر الروم بالشام . موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء ، وفي داخلها مزارع وبساتين . وانّها بنتها أنطاكية بنت الروم بن اليقن بن سام بن نوح ، عليه السلام ، ذات سور وفصيل . ولسورها ثلاثمائة وستّون برجا ، يطوف عليها أربعة آلاف حارس من عند صاحب القسطنطينة ، يضمنون حراستها سنة ويستبدل بهم في السنة الثانية ، وسورها مبني على السهل والجبل من عجائب الدنيا . دورتها اثنا عشر ميلا . وكلّ برج من أبراجها منزل بطريق فسكنه بخدمه وخوله ، وجعل كلّ برج طبقات أسفله مرابط الخيل ، وأوسطه منزل الرجال ، وأعلاه موضع البطريق . وكلّ برج كحصن عليه أبواب حديد ، وفيها ما لا سبيل إلى قطعه من الخارج . والمدينة دائرة نصفها سهليّ ونصفها جبليّ ، وقطر الدائرة فاصلة بين السهليّ والجبليّ . ولها قلعة عالية جدّا تتبيّن من بعد بعيد تستّر الشمس عن المدينة ، فلا تطلع عليها إلّا في الساعة الثانية . وبها بيعة القسيان ، وهو الملك الذي أحيا ولده رئيس الحواريّين فطرس ، كما جاء في القصّة في قوله تعالى : واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون . وعلى باب بيعة القسيان صحنان لساعات الليل والنهار ، يعمل كلّ واحد اثنتي عشرة ساعة ، وفي بيعة القسيان من الخدم والمسترزقة ما لا يحصى ، ولها ديوان فيه بضعة عشر كاتبا . والمدينة خمس طبقات ، على الطبقة الخامسة الحمامات والبساتين ومناظر حسنة ، وسبب ذلك أن الماء ينزل من الجبل المطلّ عليها ، وقد عملوا على الماء الحمامات والبساتين . وفيها من الكنائس ما لا يعدّ ، كلّها معمولة بالفصّ المذهّب والزجاج الملوّن والبلاط المجزّع . وحماماتها