زكريا القزويني
123
آثار البلاد واخبار العباد
وكان هارون شديد الخلق رابط الجأش فاعتمد في تلك الحالة على نابيه ، وأصلهما مجوّف ، فانقلعا من أصلهما وأدبر الفيل وبقي النابان في يد هارون ، وكان ذلك سبب هزيمة الهند ، وغنم المسلمون ، فقال هارون في ذلك : مشيت إليه رادعا متمهّلا * وقد وصلوا خرطومه بحسام فقلت لنفسي : إنّه الفيل ضاربا * بأبيض من ماء الحديد هذام فإن تنكإي منه فعذرك واضح * لدى كلّ منخوب الفؤاد عبام ولمّا رأيت السّيف في رأس هضبة * كما لاح برق من خلال غمام فعافسته حتى لزقت بصدره * فلمّا هوى لازمت أيّ لزام وعذت بنابيه وأدبر هاربا * وذلك من عادات كلّ محامي مليبار ناحية واسعة بأرض الهند تشتمل على مدن كثيرة ، بها شجرة الفلفل وهي شجرة عالية لا يزول الماء من تحتها ، وثمرتها عناقيد إذا ارتفعت الشمس واشتدّ حرّها تنضمّ على عناقيدها أوراقها ، وإلّا أحرقتها الشمس قبل إدراكها ، وشجر الفلفل مباح إذا هبّت الريح سقطت عناقيدها على وجه الماء ، فيجمعها الناس ، وكذلك تشنّجها ، ويحمل الفلفل من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب ، وأكثر الناس انتفاعا به الفرنج يحملونه في بحر الشام إلى أقصى المغرب . منى بلدة على فرسخ من مكّة طولها ميلان ، وهي بين جبلين مطلّين عليها ، بها مصانع وآبار وخانات وحوانيت تعمر أيّام الموسم ، وتخلو بقيّة السنة إلّا ممّن يحفظها . من عجائبها أن الجمار التي ترمى منذ حجّ الناس إلى زماننا هذا لا يظهر بها