محمود حمدي زقزوق

74

موسوعة التصوف الاسلامي

ويكتفون بالإشارة إليها من بعيد ، لاعتقادهم أن القلوب المتفتحة ، والنفوس المهيأة للتلقى ، ستدرك هذه الإشارة ، وتخترق حجاب الرمز ، وتصل إلى المراد الذي كثيرا ما يستعصى على من سواهم . يقول القشيري : " هذه الطائفة يستعملون ألفاظا فيما بينهم ، قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم ، والإجمال والستر على من باينهم في طريقهم ، لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب ، غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها ، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلف ، أو مجلوبة بضرب تصرف ، بل هي معان أودعها اللّه تعالى قلوب قوم ، واستخلص لحقائقها أسرار قوم " 27 . وليس معنى ذلك أن تذوق الأدب الصوفي مقصور على الصوفية ومن سلك طريقهم ، بل هو متاح لغيرهم أيضا ، لكنه على أية حال يحتاج إلى استعداد نفسي معين ، وإلمام باللغة الخاصة التي يؤثرونها ، وحسن ظن بهم وبما يريدونه من معان حين يستخدمون أساليب الغزل ، أو يصوغون تباريح العشق ، ولواعج الشوق ، وحرق الغرام " فكان للمعاني الغزلية في شعرهم روعة وجدة ، لم يكن إليهما سبيل إلا لدى من يتفهمون مثلهم ، وينفذون إلى ما يقصدون إليه من معان روحية " 28 . وربما كان من أوضح الأمثلة على ذلك ما يقرره ابن عربى في ديوانه ترجمان الأشواق ، وشرحه له المعروف " بذخائر الأعلاق " ، إذ يشير - في مقدمته - إلى زيارته لمكة ولقائه بالشيخ مكين الدين الأصفهاني ، وأخذه جامع الترمذي عنه : " وكان لهذا الشيخ بنت عذراء تقيد النظر وتزين المحاضر . . . عليها مسحة ملك ، وهمة ملك . . . فقلدناها من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد . . . فأغربت عن نفس تواقة ، ونبهت على ما عندنا من العلاقة ، اهتماما بالأمر القديم ، وإيثارا لمجلسها الكريم ، فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكنى ، وكل دار أندبها فدارها أعنى ، ولم أزل فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية ، والتنزلات الروحانية ، والمناسبات