محمود حمدي زقزوق
60
موسوعة التصوف الاسلامي
يلوح لهم في سلوكهم من لمعات إلهية وجذبات روحية ، كما يلاحظ الكثير من الباحثين 2 . ولكنا لا نقصد هنا كل ما كتبه أو أبدعه الصوفية من تراث فكرى أو إنتاج معنوي ، إننا لا نقصد هنا " الأدب " بمعناه العام بل بمعناه الخاص ، فبالرغم من غلبه الطابع الوجداني على التراث الصوفي بوجه عام ، فإن منه جانبا فكريا هو أدنى إلى الفلسفة ، يعبر عن " مذهب " القوم ومنطلقاتهم الاعتقادية ، ورؤيتهم الكونية والميتافيزيقية ، ووصفهم الموضوعي لأحوالهم النفسية وأساليبهم التربوية ، وهذا الجانب هو ما عبرنا عنه بالفكر الصوفي . أما الجانب الآخر من إنتاجهم الذي يمكن أن نصفه بأنه وجداني خالص أو تغلب عليه الناحية الوجدانية العاطفية ، فضلا عن صياغته الأدبية الفنية من الناحية الشكلية ، فهو المقصود هنا . نعم إن الجانبين يتداخلان إلى حد بعيد ويصعب الفصل بينها في كثير من الحالات ، وقد تتفاوت في ذلك آراء الباحثين ، ولكن المرء قد يجد الفرق واضحا بين ترجمان الأشواق لابن عربى مثلا وفتوحاته المكية ، وبين ديوان ابن الفارض مثلا والرسالة القشيرية ، وبين رسالة الطير للغزالي مثلا وكتابه الشهير إحياء علوم الدين ، مما يسمح لنا بهذا التمييز بين الذاتي والموضوعي الذي اتبعناه في تناول التراث الصوفي . أما عن الدوافع والأصول التي تقف وراء هذا الجانب الفنى الأدبي من تراث القوم ، تلك التي أسهمت في دفعهم إلى هذا الإنتاج المتميز في تاريخ الأدب الإسلامي والحضارة الإسلامية بوجه عام ، فسنحاول تلمس البعض منها فيما يلي : أ - يتمثل واحد من أهم هذه الدوافع في طبيعة التجربة الصوفية نفسها وفي خصائصها المميزة لدى الصوفية المسلمين ، فالتصوف كما رأينا سفر روحي أو معراج يتجاوز هذا العالم إلى الملأ الأعلى ، متطلعا إلى الشهود والرؤية في مقام الإحسان ، وتحقيق إمكانيات الكمال للإنسان ولكنه سفر ينتهى إلى عود حميد ،