محمود حمدي زقزوق
55
موسوعة التصوف الاسلامي
وقول النحاة : اتحد العامل لفظا أو معنى . وحيث وقع لفظ الاتحاد من محققي الصوفية فإنما يريدون به معنى الفناء الذي هو محو النفس وإثبات الأمر كله للّه سبحانه لا ذلك المعنى المذموم الذي يقشعر له الجلد ، وقد أشار إلى ذلك الشيخ علي بن وفاء ، فقال في قصيدة له : فظنوا بي حلولا واتحادا * وقلبي من سوى التوحيد خال فتبرأ من الاتحاد بمعنى الحلول . وقال في أبيات أخر : وعلمك أن كل الأمر أمرى * هو المعنى المسمى باتحاد فذكر أن المعنى الذي يريدونه بالاتحاد إذا أطلقوه هو تسليم الأمر كله للّه ، وترك الإرادة معه والاختيار ، والجرى على مواقع أقداره من غير اعتراض ، وترك نسبة شئ ما إلى غيره " 12 . ونقل الشعراني عن علي بن وفاء رحمهما اللّه تعالى قوله : " المراد بالاتحاد حيث جاء في كلام القوم فناء العبد في مراد الحق تعالى ، كما يقال : بين فلان وفلان اتحاد . إذا عمل كل منهما بمراد صاحبه ثم أنشد : وعلمك أن كل الأمر أمرى * هو المعنى المسمى باتحاد 13 . وقال العلامة ابن قيم الجوزية - رحمه اللّه تعالى - 14 الدرجة الثالثة من درجات الفناء : فناء خواص الأولياء والأئمة المقربين وهو الفناء عن إرادة السوى شائما برق الفناء عن إرادة ما سواه ، سالكا سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه ، فانيا بمراد محبوبة منه عن مراده هو من محبوبة ، فضلا عن إرادة غيره ، قد اتحد مراده بمراد محبوبة ، أعنى المراد الديني الأمرى لا المراد الكوني القدري ، فصار المرادان واحدا . . . ثم قال : وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا ، والاتحاد في العلم والخبر ، فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحدا مع تباين الإرادتين ، والعلمين والخبرين ، فغاية المحبة اتحاد مراد المحب بمراد المحبوب ، وفناء إرادة المحب في مراد المحبوب ، فهذا الاتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم ، قد فنوا بعبادة محبوبهم عن عبادة ما سواه ، وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه . ومن تحقق بهذا الفناء لا يحب إلا في اللّه ، ولا يبغض إلا فيه ، ولا يوالى إلا فيه ، ولا يعادى إلا فيه ، ولا يعطى إلا للّه ، ولا يمنع إلا للّه ، ولا يرجو إلا إياه ، ولا يستعين إلا به ، فيكون دينه كله ظاهرا وباطنا