محمود حمدي زقزوق
24
موسوعة التصوف الاسلامي
( 5 ) نشأة التصوف الإسلامي : أما عن نشأة التصوف الإسلامي فقد قيل كلام كثير في هذا المجال وحاول البعض الرجوع بالتصوف الإسلامي إلى أصول غير إسلامية كما لو أن الأمر هو أن الإسلام يخلو من حياة روحية ، وأنه في حاجة إلى عملية تلقيح من عناصر أخرى ، كما ذهب البعض إلى اعتبار التصوف بمثابة ثورة روحية في الإسلام . وقد سبق أن بينا أن الإنسان بما هو إنسان له حياة روحية ينفرد بها عن كل ما عداه من المخلوقات . ولم يكن الإسلام كدين في يوم من الأيام في حاجة إلى ما يسمى بالثورة الروحية . ولسنا نميل إلى إطلاق لفظ الثورة على الدين الإسلامي رغم أنه قد قلب بالفعل موازين الحياة التي كانت سائدة عند ظهوره رأسا على عقب . فالإسلام دعوة ورسالة إلهية أتت لخير البشرية في دنياها وآخرتها . ويميل كثير من الباحثين الأجانب إلى تجريد العقلية الإسلامية وتجريد الدين الإسلامي نفسه من كل الصفات النبيلة أو الجوانب الإبداعية . فإذا رأوا فيه شيئا من ذلك سارعوا بنسبتها إلى أصول غير إسلامية . وهذا ما حدث بالنسبة إلى العوامل التي أدت إلى نشأة التصوف الإسلامي . فقد ذهب بعض الباحثين وبخاصة من المستشرقين إلى القول بأن التصوف الإسلامي في صميمه يعد حركة بعيدة عن روح الإسلام أتت إلى المسلمين من الفرس أو من الهند وكانت بمثابة رد فعل للعقلية الآرية ضد دين فرضه الغزاة المسلمون على أهل تلك البلاد . وذهب آخرون إلى القول بأن هذه الحركة استمدت أصولها من الرهبنة المسيحية التي وصلت إلى المسلمين وهي تحمل في ثناياها ما تحمل من الأفكار الأفلاطونية الحديثة والأفكار الغنوصية الرواقية وغيرها من أفكار كانت منتشرة في مصر والشام عند الفتح الإسلامي . وفي مقابل هذين الاتجاهين هناك الرأي الذي عليه غالبية المسلمين وهو الرأي الذي يقول بأن التصوف الإسلامي قد نشأ من صميم الإسلام ذاته . وقد ذهب إلى ما يقترب من هذا الرأي بعض كبار المستشرقين أيضا من أمثال نيكولسون في أخريات حياته وما سينيون .