محمود حمدي زقزوق

17

موسوعة التصوف الاسلامي

ولا يجوز الحكم بأن فلسفة من الفلسفات متأثرة بفلسفة أخرى بناء على مجرد ظهور فكرة من الأفكار في الفلسفة الأولى وظهور فكرة مشابهة لها في الفلسفة الثانية إلا إذا كانت هناك بالفعل دلائل واضحة مستمدة من الصلة التاريخية بينهما 5 . وهكذا فإنه إذا كان التصوف فطرة بشرية وظاهرة إنسانية عامة فليس هناك مبرر على الإطلاق لمحاولة البحث عن جذور التصوف الإسلامي في غير الإسلام ، وذلك بالبحث عن هذه الجذور في التصوف الهندي أو الفارسي أو المسيحي أو غير ذلك من نزعات روحية لدى شعوب أخرى . فلم تختص أمة دون غيرها بهذا الجانب الروحي الملتصق بالإنسان أينما كان وأنى كان . ولكن يمكن التمييز في هذا الصدد بين النزعة الصوفية التي هي نزعة عامة لدى جميع الشعوب وفي كل الأديان وبين الأشكال التي تتشكل فيها هذه النزعة أو النظريات التي تنطوى عليها . فهذه الأشكال أو النظريات - التي هي لاحقة وليست سابقة للنزعة الصوفية - يمكن أن تتأثر بطريقة أو بأخرى بما لدى الآخرين من نظريات وأشكال . ( 3 ) صعوبة البحث في التصوف : والكتابة في التصوف من الأمور الصعبة ، إذ أنه من الصعب على مراقب خارجي أن يفهم التصوف إلا إذا كانت له تجربة فيه 6 . فالتصوف تجربة روحية ذاتية يعانيها المتصوف ، وهو نفسه لا يستطيع التعبير عنها ، وإذا حاول أن يعبر عنها خانته الألفاظ . ومن هنا كان قول الإمام الغزالي في هذا الصدد : وكان ما كان مما لست أذكره فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر 7 . وقد عبر عن ذلك أبو نصر السراج الطوسي ( ت 378 ه - 988 ه ) صاحب كتاب اللمع بقوله : " إن الأوائل الذين تكلموا في هذه المسائل . . . إنما تكلموا بعد قطع العلائق وإماتة النفوس بالمجاهدات والرياضات والمنازلات والوجد والاحتراق والمبادرة والاشتياق إلى قطع كل علاقة قطعتهم عن اللّه عز وجل طرفة عين ، وقاموا بشرط العلم ثم عملوا به ثم تحققوا في العمل فجمعوا بين العلم والحقيقة والعمل " 8 . ولا يجوز التقليل من شأن هذه الصعوبة - فدارس التصوف الذي ليست له فيه تجربة