عبد الرحمن حسن محمود

33

من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي

ثالثا : قوله « بعد تمهيد طويل » : ليس هناك تمهيد أصلا ، لا طويل ، ولا قصير . بل هو فصل مستقل خاص بمعنى قول اللّه تعالى في حديثه القدسي : خلقت الأشياء من أجلك ، وخلقتك من أجلى » وهو كلام ممتع في غاية الإمتاع والنفاسة ، وسنورده لك برمته إن شاء اللّه تعالى . وأما ما انتقده الشيخ محمد الغزالي السقا وعابه فها هو بنصه وفصه : « فصل : ثم اعلم أن الأحد لا يكون عنه بشئ البتة ، وأن أول الأعداد إنما هو الاثنان ، ولا يكون عن الاثنين شئ أصلا ما لم يكن ثالث يزوجهما ويربط بعضهما ببعض ، ويكون هو الجامع لهما ، فحينئذ يتكون عنهما ما يتكون ، بحسب ما يكون هذان الاثنان عليه : إما أن يكونا من الأسماء الإلهية ، وإما من الأكوان المعنوية أو المحسوسة : أىّ شئ كان ، فلا بد أن يكون الأمر على ما ذكرناه ، وهذا هو حكم الاسم الفرد ، فالثلاثة أول الأفراد ، وعن هذا الاسم ظهر ما ظهر من أعيان الممكنات ، فما وجد ممكن من واحد ، وإنما وجد من جمع ، وأقل الجمع ثلاثة ، وهو الفرد ، فافتقر كل ممكن إلى اسم الفرد . ثم إنه لما كان الاسم الفرد مثلث الحكم « 1 » : أعطى في الممكن الذي يوجده ثلاثة أمور ، لا بد أن يعتبرها ، وحينئذ يوجده . ولما كان الغاية في المجموع الثلاثة التي هي أول الأفراد ، وهو أقل الجمع ، وحصل بها المقصود ، والغنى عن إضافة رابع لها ، كان غاية قوة المشرك ثلاثة « 2 » فقال - إن اللّه ثالث ثلاثة - ولم يزد على ذلك ، وما حكى عن مشرك باللّه أنه قال فيه غير - ثالث ثلاثة - ما جاء رابع أربعة ، ولا ثامن ثمانية . وهكذا ظهرت في البسملة ثلاثة أسماء ، لما كان من أعطى التكوين « 3 » يقول « بسم اللّه الرحمن الرحيم » .

--> ( 1 ) أي له أحكام ثلاثة ، وهذا هو التثليث الذي يشير إليه ابن عربى ، لا تثليث النصارى كما يقول الشيخ الغزالي . ( 2 ) أي آخر ما استطاع أن يقوله . ( 3 ) كسيدنا عيسى صلّى اللّه عليه وسلم وغيره من الأنبياء .