محمود محمود الغراب
69
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
وبصيرته ، على براق عمله ورفرف صدقه ، معراجا معنويا ، يناله فيه ما يعطاه خواص الهمم من مراتب الولاية والتشريف ، ثم لتعلم ، إذا رقيت الأولياء في معارج الهمم ، فغاية وصولها إلى الأسماء الإلهية ، فإن الأسماء الإلهية تطلبها ، فإذا وصلت إليها في معارجها ، أفاضت عليها من العلوم وأنوارها ، على قدر الاستعداد الذي جاءت به ، فلا تقبل منها إلا على قدر استعدادها ، ولا تفتقر في ذلك إلى ملك ولا رسول ، فإنها ليست علوم تشريع ، وإنما هي أنوار فهوم فيما أتى به هذا الرسول ، في وحيه أو في الكتاب الذي نزل عليه أو الصحيفة لا غير ، وسواء علم ذلك الكتاب أو لم يعلمه ، ولا سمع بما فيه من التفاصيل ، ولكن لا يخرج علم هذا الولي عن الذي جاء ذلك الرسول به ، من الوحي عن اللّه وكتابه وصحيفته ، لا بد من ذلك لكل ولي صديق برسوله ، إلا هذه الأمة ، فإن لهم - من حيث صديقيتهم بكل رسول ونبي - العلم والفتح والفيض الإلهي بكل ما يقتضيه وحي كل نبي وصفته وكتابه وصحيفته ، وبهذا فضلت على كل أمة من الأولياء ، فلا يتعدى كشف الولي في العلوم الإلهية فوق ما يعطيه كتاب نبيه ووحيه ، فالأسماء الإلهية لها على كل معراج ظهور ، ولهذا تخبر كل طائفة من الأولياء عن ربها في أوقات بغير واسطة ، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لي وقت لا يسعني فيه غير ربي » وهذا المقام لكل شخص من الخلق ، غير أن في القيامة يعرف كل أحد أن ربه يكلمه ، وفي الدنيا لا يعرف ذلك ، إلا العلماء باللّه أصحاب العلامات ، فيعرفون كلام اللّه إياهم ، فسبحان من خلقنا أطوارا ، وجعل لنا على علم الغيب والشهادة دليلا ليلا ونهارا ، فمنا من كلم ربه غيبا ، ومنا من كلمه ربه شهادة . ( ف ح 3 / 55 ، 56 ) واعلم أنه لو كان إسراء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بروحه ، وتكون رؤيا كما يراه النائم في نومه ، ما أنكره أحد ولا نازعه ، وإنما أنكروا عليه كونه أعلمهم أن الإسراء كان بجسمه في المواطن كلها ، وله صلى اللّه عليه وسلم أربعة وثلاثون مرة الذي أسري به : منها إسراء واحد بجسمه ، والباقي بروحه رؤيا رآها ، وأما الأولياء فلهم إسراءات روحانية برزخية ، يشاهدون فيها معاني متجسدة في صور محسوسة للخيال ، يعطون العلم بما تتضمنه تلك الصور من المعاني ، ولهم الإسراء في الأرض وفي الهواء ، غير أنهم ليست لهم قدم محسوسة في السماء ، وبهذا زاد على الجماعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بإسراء الجسم ، واختراق السماوات والأفلاك حسا ، وقطع مسافات