محمود محمود الغراب
4
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
المقدّمة بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه على كل حال ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صورة الكمال ، خلق سبحانه الخيال وجعله هيولى لعالم المثال ، ومجلى للجلال والجمال ، فهو عالم غريب ، بعيد قريب ، تساوى فيه العدو والحبيب ، كل منهما له فيه نصيب ، إما عذاب أليم ، أو نعيم مقيم ، لا ينكره أهل الإلحاد ولا أهل الأديان ، لأنه من حقيقة الإنسان ، ومن عالم الحدثان ، فأقرته جميع الملل والنحل ، لأنه مقارن لها من الأزل ، أظهر الحق فيه بديع صنعته ، وبالغ حكمته وقدرته ، منه ظاهر ملموس ، ومنه باطن محسوس ، ومع هذا فقد حارت في إدراكه النفوس ، لأنه جامع لأسماء القدوس ، هو مسرح عيون العارفين ، وغاية إدراك الطالبين ، تجلى فيه الحق ، فطلبه الخلق ، أهل الكذب منهم وأهل الصدق ، فهو لأهل الباطل وهم ، ولأهل الإيمان حق وعلم ، فهذا المخلوق الكثيف اللطيف ، يحتاج إلى تعريف ، لأن أثره له التصريف ، فحارت فيه العقول بأفكارها ، والألباب في إخبارها ، لأنها لم تشهد له عينا ، ولا علمت له أينا ، ومع ذلك لم تطلب عليه دليلا ، فإنها لا تجد لإنكاره سبيلا ، يحكم في الصغير والكبير ، والغني والفقير ، وتحير فيه العالم النحرير ، لذلك أنشأ الشرق والغرب له المعاهد ، وشحذت له العلماء المقاصد ، كي تصل إلى معرفة كنهه ، أو تتفق على وصفه ونعته ، وفيه يقول الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي :