محمود محمود الغراب

الرؤيا والمبشرات 83

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

الشامي ، أن تدفعني بنفسها ، وترمي بي عن الطواف بها ، وهي تتوعدني بكلام أسمعه بأذني ، فجزعت جزعا شديدا ، وأظهر اللّه لي منها حرجا وغيظا ، بحيث لم أقدر على أن أبرح من موضعي ذلك ، وتسترت بالحجر ، ليقع الضرب منها عليه ، جعلته كالمجن الحائل بيني وبينها ، وأسمعها واللّه وهي تقول لي : تقدّم حتى ترى ما أصنع بك ، كم تضع من قدري وترفع من قدر بني آدم ، وتفضل العارفين عليّ ، وعزة من له العزة ، لا تركتك تطوف بي ، فرجعت مع نفسي ، وعلمت أن اللّه يريد تأديبي ، فشكرت اللّه على ذلك ، وزال جزعي الذي كنت أجده ، وهي واللّه - فيما يخيل لي - قد ارتفعت عن الأرض بقواعدها مشمرة الأذيال ، كما يتشمر الإنسان إذا أراد أن يثب من مكانه ، يجمع عليه ثيابه ، هكذا خيلت لي ، قد جمعت ستورها عليها لتثب عليّ ، وهي في صورة جارية ، لم أر صورة أحسن منها ، ولا يتخيل أحسن منها ، فارتجلت أبياتا في الحال أخاطبها بها ، واستنزلها عن ذلك الحرج الذي عانيته منها ، فما زلت أثني عليها في تلك الأبيات ، وهي تتسع وتنزل بقواعدها على مكانها ، وتظهر السرور بما أسمعها ، إلى أن عادت إلى حالها كما كانت ، وأمنتني وأشارت إليّ بالطواف ، فرميت بنفسي على المستجار ، وما فيّ مفصل إلا وهو يضطرب من قوة الحال ، إلى أن سريّ عني ، وصالحتها وأودعتها شهادة التوحيد عند تقبيل الحجر ، فخرجت الشهادة عند تلفظي بها - وأنا أنظر إليها بعيني - في صورة سلك ، وانفتح في الحجر الأسود مثل الطاق ، حتى نظرت إلى قعر طول الحجر ، فرأيته نحو ذراع « 1 » ، ورأيت الشهادة قد صارت مثل الكبة ، واستقرت في قعر الحجر ، وانطبق الحجر عليها ، وانسد ذلك الطاق وأنا انظر إليه ، فقال لي : هذه أمانة عندي ، أرفعها لك إلى يوم القيامة ، أشهد لك بما عند اللّه ؛ هذا قول الحجر لي وأنا اسمع ، فشكرت اللّه ثم شكرتها على ذلك ، ومن ذلك الوقت وقع الصلح بيني وبينها ، وخاطبتها بالرسائل السبعة « 2 » ، فزادت بي فرحا وابتهاجا ، حتى جاءتني منها بشرى على لسان رجل صالح من أهل الكشف ، ما عنده خبر بما كان

--> ( 1 ) سألت عنه بعد ذلك من رآه من المجاورين ، حين احترق البيت فعمل بالفضة وأصلح شأنه ، فقال لي : رأيته في طول الذراع . ( 2 ) هذه الرسائل مجموعة في كتاب سماه الشيخ « تاج الرسائل ومنهاج الوسائل » .