محمود محمود الغراب

الرؤيا والمبشرات 26

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

السعداء والأشقياء ، عند قبض القدرة عليها بين العدم والوجود - وهي حالة الإنشاء - حسن النهاية بعين الموافقة والهداية ، وسوء الغاية بعين المخالفة والغواية ، سارعت السعيدة إلى الوجود وظهر من الشقية التثبط والإباية ، ولهذا أخبر الحق عن حالة السعداء فقال أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ يشير إلى تلك السرعة ، وقال في الأشقياء فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ يشير إلى تلك الرجعة ، فلولا هبوب تلك النفحات على الأجساد ، ما ظهر في هذا العالم سالك غيّ ولا رشاد ، ولتلك السرعة والتثبط أخبرتنا صلى اللّه عليك ، « أن رحمة اللّه سبقت غضبه » هكذا نسب الراوي إليك ، ثم أنشأ سبحانه الحقائق على عدد أسماء حقه ، وأظهر ملائكة التسخير على عدد خلقه ، فجعل لكل حقيقة اسما من أسمائه تعبده وتعلمه ، وجعل لكل سر حقيقة ملكا يخدمه ويلزمه ، فمن الحقائق من حجبته رؤية نفسه عن اسمه ، فخرج عن تكليفه وحكمه ، فكان له من الجاحدين ، ومنهم من ثبت اللّه أقدامه ، واتخذ اسمه إمامه ، وحقق بينه وبينه العلامة ، وجعله أمامه ، فكان له من الساجدين ، ثم استخرج من الأب الأول أنوار الأقطاب ، شموسا تسبح في أفلاك المقامات ، واستخرج أنوار النجباء ، نجوما تسبح في أفلاك الكرامات ، وثبت الأوتاد الأربعة للأربعة الأركان ، فانحفظ بهم الثقلان ، فأزالوا ميد الأرض وحركتها ، فسكنت فازينت بحلي أزهارها وحلل نباتها وأخرجت بركتها ، فتنعمت أبصار الخلق بمنظرها البهي ، ومشامّهم بريحها العطري ، وأحناكهم بمطعومها الشهي ، ثم أرسل الأبدال السبعة إرسال حكيم عليم ، ملوكا على السبعة الأقاليم ، لكل بدل إقليم ، ووزّر للقطب الإمامين ، وجعلهما إمامين على الزمامين ، فلما أنشأ العالم على غاية الإتقان ، ولم يبق أبدع منه كما قال الإمام أبو حامد في الإمكان ، وأبرز جسدك صلى اللّه عليك للعيان ، أخبر عنك الراوي أنك قلت يوما في مجلسك « إن اللّه كان ولا شيء معه بل هو على ما عليه كان » وهكذا هي صلى اللّه عليك حقائق الأكوان ، فما زادت هذه الحقيقة على جميع الحقائق ، إلا بكونها سابقة وهن لواحق ، إذ من ليس مع شيء ، فليس معه شيء ، ولو خرجت الحقائق على غير ما كانت عليه في العلم ، لانمازت عن الحقيقة المنزهة بهذا الحكم ، فالحقائق الآن في الحكم ، على ما كانت عليه في العلم ، فلنقل كانت ولا شيء معها في وجودها ، وهي الآن على ما كانت عليه