محمود محمود الغراب
الرؤيا والمبشرات 11
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
ثم إن اللّه تعالى إذا رأى أحد رؤيا ، فإن صاحبها له فيما رآه حظ من الخير والشر ، بحسب ما تقتضي رؤياه ، أو يكون الحظ في ناموس الوقت في ذلك الموضع ، وأما في الصورة المرئية فلا ، فيصور اللّه ذلك الحظ طائرا ، وهو ملك في صورة طائر ، كما يخلق من الأعمال صورا ملكية روحانية جسدية برزخية ، وإنما جعلها في صورة طائر ، لأنه يقال : طار له سهمه بكذا ، والطائر الحظّ ، ويجعل الرؤيا معلقة من رجل هذا الطائر وهو عين الطائر ، ولما كان الطائر إذا اقتنص شيئا من الصيد من الأرض إنما يأخذه برجله ، لأنه لا يد له ، وجناحه لا يتمكن له الأخذ به ، فلذلك علق الرؤيا برجله ، فهي المعلقة ، وهي عين الطائر ، فإذا عبرت سقطت لما قيلت له ، وعندما تسقط ينعدم بسقوطها ، ويتصور في عالم الحس بحسب الحال التي تخرج عليه تلك الرؤيا ، فترجع صورة الرؤيا عين الحال لا غير ، فتلك الحال إما عرض أو جوهر أو نسبة من ولاية أو غيرها ، هي عين تلك الرؤيا وذلك الطائر ، ومنه خلقت هذه الحالة ولا بد ، سواء كانت جسما أو عرضا أو نسبة ، أعني تلك الصورة ، كما خلق آدم من تراب ، ونحن من ماء مهين . ثم إن تسمية النبي صلى اللّه عليه وسلم للرؤيا بشرى ومبشرة ، لتأثيرها في بشرة الإنسان ، فإن الصورة البشرية تتغير بما يرد عليها من باطنها ، مما تتخيله من صورة تبصرها ، أو كلمة تسمعها ، إما بحزن أو فرح ، فيظهر لذلك أثر في البشرة ، لا بد من ذلك ، فإنه حكم طبيعي أودعه اللّه في الطبيعة ، فلا يكون إلا هكذا . ( ف ح 2 / 377 ) واعلم أن للرؤيا مكانا ومحلا وحالا ، فحالها النوم ، وهو الغيبة عن المحسوسات الظاهرة ، الموجبة للراحة لأجل التعب الذي كانت عليه هذه النشأة ، في حال اليقظة من الحركة وإن كان في هواها ، وأما المحل ، فهو هذه النشأة العنصرية ، لا يكون للرؤيا محل غيرها ، فليس للملك رؤيا ، وإنما ذلك للنشأة العنصرية الحيوانية خاصة ، وأما المكان ، فهو ما تحت مقعر فلك القمر خاصة ، وفي الآخرة ما تحت مقعر فلك الكواكب الثابتة ، وذلك لأن النوم قد يكون في جهنم في أوقات ، ولا سيما في المؤمنين من أهل الكبائر ، ولهذا لا يبقى عذاب في النار بعد انقضاء مدته ، إلا العذاب الممثل المتخيل في حضرة الخيال ، لبقاء أحكام