محمود محمود الغراب
الرؤيا والمبشرات 8
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
الوحي الرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، وسبب ذلك صدقه صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه ثبت عنه أنه قال : « أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا » فكان لا يحدث أحدا صلى اللّه عليه وسلم بحديث عن تزوير يزوره في نفسه ، بل يتحدث بما يدركه بإحدى قواه الحسية أو بكلها ، ما كان يحدث بالغرض ، ولا يقول ما لم يكن ، ولا ينطق في اليقظة عن شيء يصوره في خياله ، مما لم ير لتلك الصورة بجملتها عينا في الحس ، فهذا صدق رؤياه ، وإنما بدىء الوحي بالرؤيا دون الحس ، لأن المعاني المعقولة أقرب إلى الخيال منها إلى الحس ، لأن الحس طرف أدنى ، والمعنى طرف أعلى وألطف ، والخيال بينهما ، والوحي معنى ، فكان بدء الوحي إنزال المعاني المجردة العقلية في القوالب الحسية ، المقيدة في حضرة الخيال ، في نوم كان أو يقظة ، وهو من مدركات الحس في حضرة المحسوس ، فإذا أراد المعنى أن ينزل إلى الحس ، فلا بد أن يعبر على حضرة الخيال قبل وصوله إلى الحس ، والخيال من حقيقته أن يصور كل ما حصل عنده في صورة المحسوس ، لا بد من ذلك ، فإن كان ورود ذلك الوحي الإلهي في حال النوم سمي رؤيا ، وإن كان في حال اليقظة سمي تخيلا أي خيل إليه ، فلهذا بدئ الوحي بالخيال ، ثم بعد ذلك انتقل الخيال إلى الملك من خارج ، فكان يتمثل له الملك رجلا ، أو شخصا من الأشخاص المدركة بالحس ، فقد ينفرد هذا الشخص المراد بذلك الوحي بإدراك هذا الملك ، وقد يدركه الحاضرون معه ، فيلقي على سمعه حديث ربه وهو الوحي ، وتارة ينزل على قلبه صلى اللّه عليه وسلم ، فتأخذه البرحاء ، وهو المعبر عنه بالحال ، فإن الطبع لا يناسبه ، وانفرد الأنبياء في ذلك بالتشريع ، فقد يكون الولي بشيرا ونذيرا ، ولكن لا يكون مشرعا ، فإن الرسالة والنبوة بالتشريع قد انقطعت ، فلا رسول بعده ولا نبي ، أي لا شرع ولا شريعة ، ثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ، فلا رسول بعدي ولا نبي » فشق ذلك على الناس ، فقال : لكن المبشرات » فقالوا « يا رسول اللّه وما المبشرات ؟ » فقال : « رؤيا المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة » هذا حديث حسن صحيح من حديث أنس بن مالك ، وعن أبي هريرة وحذيفة وابن عباس وأم كرز ، أنه صلى اللّه عليه وسلم أخبر « أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة » فقد بقي للناس من النبوة هذا وغيره ، ومع هذا لا يطلق اسم النبوة والنبي إلا على المشرع خاصة ، فحجر هذا الاسم لخصوص وصف معين في النبوة ،