محمود محمود الغراب

13

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

حضرة وعالم ، فالحضرة الخيال أو البرزخ ، والعالم عالم الخيال ، ويسميه بعض أهل الطريق عالم الجبروت ، وهو الذي بين عالم الملك وعالم الملكوت ، وهكذا هو عندي . ( ف ح 2 / 311 - ح 3 / 42 - ح 2 / 129 - ح 1 / 395 - ح 3 / 42 - ح 2 / 129 ) وعالم البرزخ هذا ، تنزل المعاني فيه في الصور والقوالب الحسية ، فليست من عالم الغيب لما لبسته من الصور الحسية ، وليست من عالم الشهادة لأنها معاني مجردة ، وظهورها بتلك الصور أمر عارض عرض للمدرك لها ، لا للمعنى في نفسه ، كالعلم في صورة اللبن ، والثبات في الدين في صورة القيد ، والإسلام في صورة العمد ، والإيمان في صور العروة ، وجبريل في صورة دحية الكلبي وفي صورة الأعرابي ، وتمثل لمريم في صورة بشر سوي ، ولذلك كانت حضرة الخيال أوسع الحضرات جودا ، لأنها تجمع العالمين ، فهي مجمع البحرين ، بحر المعاني وبحر المحسوسات ، فالمحسوس لا يكون معنى ، والمعنى لا يكون محسوسا ، ولذلك سمي الخيال خيالا ، لأنا نعرف أن ذلك راجع إلى الناظر لا إلى الشيء نفسه ، فالشيء في نفسه ثابت على حقيقته لا يتبدل - لأن الحقائق لا تتبدل - ويظهر إلى الناظر في صور متنوعة ، وذلك التنوع حقيقة أيضا ، لا تتبدل عن تنوعها ، فلا تقبل الثبوت على صورة واحدة ، بل حقيقتها الثبوت على التنوع ، وحضرة الخيال التي عبرنا عنه بمجمع البحرين ، هو يجسد المعاني ، ويلطف المحسوس ، ويقلب في عين الناظر عين كل معلوم ، فيجمع عالم الغيب وعالم الشهادة ، فإن حضرة الغيب لا تسع عالم الشهادة ، فإنه ما بقي فيها خلاء ، وكذلك حضرة الشهادة ، فحضرة الخيال أوسع بلا شك ، فإن الخيال لقوته أوسع الكائنات وأكمل الموجودات ، ويقبل الصور الروحانيات ، وهو التشكل في الصور المختلفة من الاستحالة الكائنة ، والاستحالة منها ما فيها سرعة ، كاستحالة الأرواح صورا جسدية ، فإن الأرواح في الصور الخيالية معان لا ثبات لها ، فإنها سريعة الزوال ، من النائم باليقظة ، ومن المكاشف بالرجوع إلى حسه ، وكاستحالة المعاني صورا جسدية ، تظهر في كون هذا العماء ، فإن المعاني إذا تجسدت في عالم المثال ، وظهرت صورا في الجسم المشترك ، كما أخبر عليه السلام من أن الزهراوين - البقرة وآل عمران - يأتيان يوم القيامة لهما لسانان وشفتان ، يشهدان لمن قرأهما ، ومعلوم حقيقة الكلام وأنه معنى من المعاني ، جثمانيا كان أو