محمود محمود الغراب
118
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
الأثير ، فلما أكمل هذه الأركان ، لإنشاء ما يريد من المعادن والنبات والحيوان ، لم ينفعل منها ، ما أراد عنها ، لأنها أشباح بلا أرواح ، وإناث بلا ذكور ، فاحتاج إلى إقامة النجوم الثابتة ، والبروج الحاكمة ، والكواكب السيارة وحركات أفلاكها ، وفتح مسالك أملاكها ، فأقامها ، فكانت الآباء العلويات ، وهذه الأمهات السفليات ، فتناكحت بالحقائق الروحانيات ، والرقائق السماويات ، فتولد بينهما بنات الحكم المعدنيات والنباتيات والحيوانات ، ولم تبلغ قوة هذا الحكيم فوق الحد ، ولكنه وفّى بالقصد . فلما استوت هذه البنية ، على حسب ما أعطته الروية وحسن النية ، وجرت الأفلاك وأعطت قواها الروحانيات ، وظهرت التكوينات والانفعالات ، وأشرف الملك الكريم ، على ما فعله الحكيم ، وعاين تكوين هذه الحكمة في هذه الأجزاء ، وعرف أن الأمر لا يقوم إلا بوجود الأرض والسماء ، وأعجبه ما رأى من حسن الراء ، فأدركه الطيش والتوله ، فخاف عليه الحكيم التأله ، فأعمل الحيلة والنظر ، حتى بدا له ما أراده وظهر ، وشرع في إنشاء بستان ، ذي أفنان ، فيه من كل وليد وقهرمان ، ومن الجواري الحسان ، والنخيل والأعناب والرمان ، ضروب وألوان ، تنساب فيه الجداول انسياب الثعابين ، بين تلك الأزهار والبساتين ، وابتنى فيها قصورا من الذهب والفضة البيضاء ، وأسكنها من كل جارية غضاء ، وفرشها بالحرير من السندس والإستبرق ، والعبقري المرقق ، وجعل حصاها الياقوت والمرجان والزمرد والجوهر ، وترابها فتيت المسك وآكامها العنبر ، ثم شرع في إنشاء دار أخرى ذات لهب وسعير ، وبرد وزمهرير ، وقيود وأغلال ، وسلاسل وسرابيل من القطران ، وأفاعي كأنها البخت ، وأساود عظيمة الشخت ، وعقارب مكونة من السحت ، وبيوت مظلمة ، ومسالك ضيقة ، وكروب وغموم ، ومصائب وهموم ، ثم أشرف الملك على الدارين ، وقال : انظر ما بين المنزلين ، فراعه ما رآه ، وسأله : ما السبب الذي دعاه ؟ فقال الحكيم : جعلت لك هذه الدار دار الرضا ، تنعّم بها من أطاعك ووالاك ، وجعلت لك هذه الأخرى دار الغضب ، تعذب بها من عصاك وعاداك ، واعلم أن اللّه تعالى ما أسكنك في هذه الدار ، إلا لتجعلها دار اعتبار ، فتفكر وتعتبر ، وتذكر وتزدجر ، وتعظّم من سوّاك فعدلك ، وصورك فجمّلك ، وولاك ومّلكك ، وعلمك وحنّكك ، فإن كنت مطيعا لربك