محمود محمود الغراب
107
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
الأنفاس والموت ، فلملك الموت تصريفهما معا ، ولملك التحليل تصريف الواحد منهما ، ولملك الأنفاس تصريف الآخر ، وهم على درجات معتدلة متساوية ، في العدد والقوة وإحكام الفعل ، غير أن الاثنين أعلم من الخمسة لتحصيلهم العالمين . فلما عاينت هذه المراتب ، وسلكت هذه المذاهب ، أشرف بي على الكون المسبع ، وهو العرش الأكمل المعظم المكرم الأرفع ، فعاينت ما أحدث اللّه في قلوب العباد ، وعلى مراتبهم في حركات تلك الأفلاك ، وتوجهات أولئك الأملاك ، وذلك أن اللّه تعالى عند هذه الحركات الفلكية ، والتوجهات الملكية ، يجمع بين الأنوار والأسرار في موقف السواء ، على دقيقة من الحقيقة ، في العالم المعقول والمحسوس ، ويسوي بين حقائق النفوس ، ويظهر معارف التأسيس ، ويكسو الأرواح أنفاس النور ، ويذهب كل باطل وزور ، ويحل على العلماء باللّه وبالأحكام المسائل المعقدة ، في العلوم المقيدة وغير المقيدة ، يوضح المبهمات ، ويشرح المشكلات ، ويفتح معالم الصنائع في قلوب الصناع ، ويحسن مواقع النغمات في الأسماع ، وتسيل أودية المعارف في قلوب العارفين ، وتنفجر عيون العلوم في نفوس العالمين ، وتعظم أنهار الأسرار والحكم في قلوب الحكماء المحققين ، وتترادف التنزلات الغيبيات ، وترتفع الأسرار الرحموتيات ، إلى أعلى فروع سدرة الانتهاآت ، وتفتتح على الشيوخ المربين علوم العلل والأدوية ، ومعرفة اعتدالات الأهوية النفسانية ، المردية وغير المردية ، وتبدو لأهل المجاهدات نتائج المجاهدات ، وتعطي ما فيها بالقوة من الكائنات المستحسنات ، فطائفة منهم تتنعم بالمشاهدات الذوقية ، وطائفة منهم تتنعم بمشاهدات الأنفاس والروائح العطرية ، وفي الخضر تجتمع هذه المقامات ، وعليه تبدو هذه البركات ، وفي هذه التوجهات والحركات ، تنفخ أرواح المعاني في قلوب أهل البدايات ، وترضع أطفال المريدين ثدي أوائل التجليات ، وينتشر عالم الصعود ، وتتغلب أحوال البقاء ، وتتشوف همم العارفين إلى الوصال ، ويتسابق العبّاد بالأعمال ، والمريدون بالأحوال ، ويفنى ما يضاد البقاء ، ويموت ما يقابل الحياة ، ويمحى ما يناقض الإثبات . فهذا ذكر بعض ما عاينت في الكون ، من تأثير النمط الأول من هذا الدور ، ثم ردني إلى النمط الثاني من هذا الدور ، فقطع بي تسعين فلكا ، أبصرت أيضا مع كل فلك ملكا ،