محمود محمود الغراب

100

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

فمن الناس من يبدل له بالتوبة والعمل الصالح ، ومن الناس من يبدل له بعد أخذ العقوبة حقها منه ، وسبب إنفاذ الوعيد في حق طائفة ، حكم المشيئة الإلهية ، فإذا انتهت المدة ، طلبت المشيئة في أولئك تبديل العذاب الذي كانوا فيه ، بالنعيم المماثل له ، فإن حكم المشيئة أقوى من حكم الأمر ، وقد وقع التبديل بالأمر ، فهو بالإرادة أحق بالوقوع ، وستر اللّه هذا العلم عن بعض عباده ، وأطلع عليه من شاء من عباده ، وهو من علم الحكمة ، التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا ، ولذلك قال الحق تعالى وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً غفورا أي يستر ، رحيما بذلك الستر ، بعد قوله فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وقال في المسرفين لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ فجاء بالمغفرة والرحمة في حق التائب وصاحب العمل الصالح ، كما جاء بهما في المسرفين الذين لم يتوبوا ، ونهاهم عن القنوط ، وأكد بقوله : جَمِيعاً وأكثر من هذا الإفصاح الإلهي في مآل عباده إلى الرحمة ما يكون ، مع عمارة الدارين الجنة وجهنم ، وأن لكل واحدة منهما ملأها ، لا يخرجون منها ، فعطاء اللّه لا مانع له ، وإنما الاسم المانع إنما متعلقه ، أن نعيم زيد ممنوع عن عمرو ، كما أن نعيم عمرو ممنوع عن زيد ، فهذا حكم المانع ، لا أنه يمنع شمول الرحمة « 1 » ، ورأيت فيها علم الفرق بين مفاضلة المفضولين في الدنيا وبينهم في الآخرة ، ورأيت فيها علم من ترك ما هو عليه ، لماذا ترك وسببه ؟ ورأيت فيها علم أن اللّه هو المعبود في كل معبود ، من خلف حجاب الصورة « 2 » ، ورأيت فيها علم الرفق بالعالم ، ومعاملة كل صنف بما يليق به من الرفق ، ورأيت فيها علم ما يجني الإنسان إلا ثمرة غرسه لا غير ، ورأيت فيها علم الحدود في التصرفات ومقاديرها وأوزانها ، ورأيت فيها علم التخلق بالأخلاق الإلهية من كونه ربا خاصة ، ورأيت فيها علم حكم مرتبة الجزء من الكل ، وإن كان الجزء على صورة الكل « 3 » ، ورأيت فيها علم نتاج المقدمتين الفاسدتين علما صحيحا ، مثل كل إنسان حجر ، وكل حجر حيوان ، فكل إنسان حيوان ، فلم يلزم من فساد المقدمتين ، أن لا تكون

--> ( 1 ) راجع كتابنا ترجمة حياة الشيخ ص 230 طبعة أولى - ص 226 طبعة ثانية . ( 2 ) راجع كتابنا ترجمة حياة الشيخ ص 220 طبعة أولى - ص 216 طبعة ثانية . ( 3 ) الإنسان على صورة العالم والإنسان جزء من العالم .