محمود محمود الغراب

70

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

العادة بإدراكها ، فإن الأجساد المتخيلة أيضا معتادة الإدراك ، لكن ما كل من يشهدها يفرق بيها وبين الأجسام الحقيقية عندهم ، فإذا تجلى الروح في صورة طبيعية مشى الحكم عليها ، كما سنذكره في الحب الإلهي ، سواء من حيث قبول تلك الصورة للظاهر والباطن ، فيجمع بين الحب الطبيعي والروحاني ، وبين الحب لنفسه ولمحبوبه ، إن كان محبوبه كما قلنا ذا إرادة ، ويتبين لنا بما قررناه أن الناس لا يعرفون ما يحبون ، وأنه يندرج محبوبهم في موجود ما ، فيتخيلون أنهم يحبون ذلك الموجود وليس كذلك فاعلم قدر ما أعلمتك به ، واشكر اللّه حيث خلصك من الجهل بي . ( ف ح 2 / 332 ) وأما غاية الحب الروحاني في الصور الطبيعية فهو الاتحاد ، وهو أن تصير ذات المحبوب عين ذات المحب ، وذات المحب عين ذات المحبوب ، وهو الذي تشير إليه الحلولية - ولا علم لها بصورة الأمر - فاعلم أن الصورة الطبيعية على أي حال كان ظهورها ، جسما أو جسدا ، بأي نسبة كانت ، فإن المحبوب الذي هو المعدوم - وإن كان معدوما - فإنه ممثل في الخيال ، فله ضرب من ضروب الوجود المدرك بالبصر الخيالي في الحضرة الخيالية ، بالعين التي تليق بها ، فإذا تعانق الحبيبان وامتص كل واحد منهما ريق صاحبه ، وتحلل ذلك الريق في ذات كل واحد من الحبيبين ، وتنفس كل واحد من الصورتين عند التقبيل والعناق ، فخرج نفس هذا فدخل في جوف هذا ، ونفس هذا في جوف هذا ، وليس الروح الحيواني في الصور الطبيعية سوى ذلك النفس ، وكل نفس فهو روح كل واحد من المتنفسين ، وقد حيي به من قبله في حال التنفس والتقبيل ، فصار ما كان روحا لزيد هو بعينه يكون روحا لعمر ، وقد كان ذلك النفس خرج من محب فتشكل بصورة حب ، فصحبته لذة المحبة ، فلما صار روحا في هذا الذي انتقل إليه ، وصار نفس الآخر روحا في هذا الآخر ، عبر عن ذلك بالاتحاد في حق كل واحد من الشخصين ، وصح له أن يقول : أنا من أهوى ومن أهوى أنا ؛ هذا غاية الحب الروحاني في الصور الطبيعية ، وهو قولنا في أول القصيدة : « روحا بروح وجثمانا بجثمان » فسر الاتحاد مجهول في الأشباح ، معقول في الأرواح ، إذا انضم الحبيبان في الثوب الواحد ، وتلاصق المتيمان بحكم الشاهد ، وتعانق الشكلان تعانق اللام والألف ، وارتبطا على السر الذي لا ينكشف ، وأداما التعنيق ، وامتصاص الريق ، فانحدرت رطوبته