محمود محمود الغراب
45
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
وما تستحقه من النعوت ، إنما هو من طريق الإيمان لا من طريق العقل ، فالذات ترى ولا تعلم ، لذلك كان التجلي الذاتي لا يعطي شيئا إلا نفسه ، فهو منيع الحمى ، وله حجاب العزة من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فاللحظ المطلق لا يقع به فائدة أصلا ، وإنما الفائدة من جانب الحق لعباده بكل ما أعطى التقييد ، فإنه إذا تقيد تميز وتعينت المرتبة ، فلا يقع العلم النافع إلا في مقام التشبيه في صورة مثالية حسنة جميلة ، وهو التجلي الآخر ، تجليه سبحانه بأسمائه في أوقات في الصورة الجميلة الحسنة - وإن كان قدسيا - في عالم التمثيل ، كما قال تعالى : فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا فإن الحقائق الإلهية تتجلى في صورة مثالية في مقام بسط ، فتعطي من الحكم والمعارف والعلوم الكونية ما لا يعطيه التجلي الذاتي ، وذلك مثل ما تؤوّل صور الرؤيا ، فالتجلي في عالم الصور ، يبطن في تلك الصور مطلب العارف ، وهي تورث حالا ، وأما التجلي الغيبي في المعاني المجردة ، فيورث علما ، فإنه تجل في عالم الغيب والملكوت ، فيكون تجليا في المعاني المجردة لا في الشهادة . لذلك نرى الشيخ رضي اللّه عنه ، ينبه على التجلي الصوري في الصّورة الجمالية عند كتابته « ترجمان الأشواق » في مجلى النظام - ابنة شيخه مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم الأصفهاني رحمه اللّه - فيقول رضي اللّه عنه : « لم أزل فيما نظمناه في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية والتنزلات الروحانية ، والمناسبات العلوية ، جريا على طريقتنا المثلى ، فإن الآخرة خير لنا من الأولى ، ولعلمها رضي اللّه عنها بما إليه أشير ، ولا ينبئك مثل خبير ، واللّه يعصم قارىء هذا الديوان من سبق خاطره إلى ما لا يليق بالنفوس الأبية ، والهمم العالية ، المتعلقة بالأمور السماوية ، آمين بعزة من لا رب غيره ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل » . ورغم هذا التنبيه من الشيخ على ما يكنّه وما يريده ، فقد وقع فيه من وقع ، لذلك اضطر لشرح هذا الديوان بكتابه « ذخائر الأعلاق » وفيه يقول : وكان سبب شرحي لهذه الأبيات ، أن الولد بدرا الحبشي ، والولد إسماعيل بن سودكين ، سألاني في ذلك ، وهو أنهما سمعا بعض الفقهاء بمدينة حلب ، ينكر أن هذا من الأسرار الإلهية ، وأن الشيخ يتستر لكونه منسوبا إلى الصلاح والدين ، فشرعت في شرح ذلك ، وقرأ عليّ بعضه القاضي ابن العديم بحضرة جماعة من الفقهاء ، فلما سمعه ذلك المنكر الذي أنكره تاب إلى اللّه سبحانه وتعالى ، ورجع عن الإنكار على الفقراء وما يأتون به في أقاويلهم من الغزل والتشبيب ،