محمود محمود الغراب

42

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

« إليك عني » لئلا تحجبه كثافة المحسوس منها عن لطف هذه المشاهدة الخيالية ، فإنها في خياله ألطف منها في عينها وأجمل ، وهذا ألطف المحبة ، وصاحب هذا النعت لا يزال منعما لا يشكو الفراق ، ولنا في هذا النعت اليد الطولى في المحبين ، فإن مثل هذا في المحبين عزيز الوجود ، لغلبة الكثافة عليهم ، وسبب ذلك عندنا أنه من استفرغ في حب المعاني المجردة عن المواد ، فغايته إذا كثفها أن ينزلها إلى الخيال ، ولا ينزل بها أكثر ، فمن كان أكثف حاله الخيال ، فما ظنك بلطافته في المعاني ؟ ! وهذا الذي حاله هذا هو الذي يمكن أن يحب اللّه ، فإن غايته في حبه إياه إذا لم يجرده عن التشبيه ، أن ينزله إلى الخيال ، وهو قوله عليه السلام : « اعبد اللّه كأنك تراه » فإذا أحببنا ونحن بهذه الصفة موجودا ، نحب ظهور محبوبنا فيه من المحسوسات عالم الكثائف ، نلطفه بأن نرفعه إلى الخيال لنكسوه حسنا فوق حسنه ، ونجعله في حضرة لا يمكنه الهجر معها ولا الانتقال عنها ، فلا نزال في اتصال دائم ، ولنا في ذلك : ما لمجنون عامر من هواه * غير شكوى البعاد والاغتراب وأنا ضده فإن حبيبي * في خيالي فلم أزل في اقتراب فحبيبي مني وفيّ وعندي * فلماذا أقول ما بي وما بي وقد بلغ بي قوة الخيال ، أن كان حبي يجسد لي محبوبي من خارج لعيني ، كما كان يتجسد جبريل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلا أقدر أنظر إليه ، ويخاطبني وأصغي إليه وأفهم عنه ، ولقد تركني أياما لا أسيغ طعاما ، كلما قدمت لي المائدة يقف على حرفها وينظر إليّ ، ويقول لي بلسان أسمعه بأذني : تأكل وأنت تشاهدني ! ! ! فأمتنع عن الطعام ولا أجد جوعا ، وأمتلىء منه حتى سمنت وعبلت من نظري إليه ، فقام لي مقام الغذاء ، وكان أصحابي وأهل بيتي يتعجبون من سمني مع عدم الغذاء ، لأني كنت أبقى الأيام الكثيرة لا أذوق ذواقا ، ولا أجد جوعا ولا عطشا ، ولكنه لا يبرح نصب عيني في قيامي وقعودي وحركتي وسكوني . ( ف ح 2 / 338 ، 337 ، 325 ) لذا قلنا إن حب أهل اللّه يكون تعلقه حب جمال إلهي متخيل ، اكتسبوه من ألفاظ نبوية وقوله في التجريد : « اعبد اللّه كأنك تراه » فيأخذه الوجد على ما تخيله ، فإن القلب والباطن ، لا يتمكن للعارف - فكيف للمحب - أن يمر عليه نفس ولا حال لا يكون المحبوب فيه مشهودا له بعين قلبه ووجوده ، وما بقي حجاب إلا في الحس بإدراكه المحسوسات ، حيث يراها ليست عين محبوبه فيحجبه ، فيطلب اللقاء لأجل هذا الحجاب ،