محمود محمود الغراب
30
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
فأضاف القوة إلى الهوى بقوله : « سلطان الهوى » ، يقول اللّه في غير ما موضع من الأخبار متلطفا بعباده : « يا عبادي اشتقت إليكم ، وأنا إليكم أشد شوقا » ويخاطبهم بنزول من لطف خفي ، وهذا الخطاب كله لا يتمكن أن يكون منه إلا من كونه محبا ، ومثل ذلك يصدر من المحبين له تعالى ، فالمحب في حكم الحب لا في حكم المحبوب ، ومن هي صفته عينه ، فعينه تحكم عليه لا أمر زائد ، فلا نقص ، غير أن أثره في المخلوقين التلاشي عند استحكامه ، لأنه يقبل التلاشي ، فلهذا يتنوع العالم في الصور ، فيكون في صورة ، فإذا أفرط فيها الحب من حيث لا يعلم ، وحصل التجلي من حيث لا يظهر ، تلاشت الصورة فظهرت في العين صورة أخرى ، وهي أيضا مثل الأولى في الحكم راجعة إليه ، ولا يزال الأمر كذلك دائما لا ينقطع . ( ف ح 2 / 113 ) سريان الحب في الوجود : ثم إن من كرمه سبحانه أن جعل هذه الحقيقة سارية في كل عين ممكن متصف بالوجود ، وقرن معها اللذة التي لا لذة فوقها ، فأحب العالم بعضه بعضا حبّ تقييد ، من حقيقة حب مطلق ، فقيل فلان أحب فلانا ، وفلان أحب أمرا ما ، وليس إلا ظهور حق في عين ما أحب ، ظهور حق في عين أخرى ، كان ما كان ، فمحب اللّه لا ينكر على محب حبّ من أحب ، فإنه لا يرى محبا إلا اللّه في مظهر ما ، ومن ليس له هذا الحب الإلهي فهو ينكر على من يحب . ثم إنه ثمّ دقيقة من كون من قال : إنه يستحيل أن يحب أحد اللّه تعالى ، فإن الحق لا يمكن أن يضاف إليه ولا إلى ما يكون منه نسبة عدم أصلا ، والحب متعلقه العدم ، فلا حب يتعلق باللّه من مخلوق ، لكن حب اللّه يتعلق بالمخلوق ، لأن المخلوق معدوم ، فالمخلوق محبوب للّه أبدا دائما ، وما دام الحب لا يتصور معه وجود المخلوق ، فالمخلوق لا يوجد أبدا ، فاعطت هذه الحقيقة أن يكون المخلوق مظهرا للحق لا ظاهرا ، فمن أحب شخصا بالحب الإلهي فعلى هذا الحد يكون حبه إياه ، فلا يتقيد بالخيال ولا بجمال ما ، فإنها كلها موجودة له ، فلا يتعلق الحب بها . ( ف ح 2 / 113 ) السكر من شراب الحب : اعلم أن للحب شرابا هو تجل متوسط بين تجليين ، وهو التجلي الدائم الذي لا